فهرس الكتاب

الصفحة 2611 من 3028

( لقد كان( جولد تسيهر) أعمق العارفين بعلم الحديث النبوي. وقد تناول في القسم الثاني من كتابه ( دراسات محمدية) موضوع تطور الحديث تناولًا عميقًا. وراح ـ بما له من علم عميق، واطلاع يفوق كل وصف ـ يبحث التطور الداخلي والخارجي من كل النواحي.. وقد قادته المعايشة العميقة لمادة الحديث الهائلة إلى الشك في الحديث، ولم يعد يثق فيه مثلما كان ( دوزي) لا يزال يفعل ذلك في كتابه ( مقال في تاريخ الإسلام ) . وبالأحرى كان ( جولد تسيهر ) يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والإجمتاعي في القرن الأول والثاني . فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول: عهد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في عصور المراحل الناضجة لتطور الإسلام . ويقدم ( جولد تسيهر ) مادة هائلة من الشواهد لمسار التطور الذي قطعه الإسلام في تلك العصور التي فيها تشكيلة من بين القوى المتناقضة، والتباينات الهائلة حتى أصبح في صورته النسقية .. ويصور جولد تسيهر ) التطور التدريجي للحديث، ويبرهن بأمثلة كثيرة وقاطعة كيف كان الحديث انعكاسًا لروح العصر، وكيف عملت على ذلك الأجيال المختلفة، وكيف راحت كل الأحزاب والاتجاهات في الإسلام تبحث لنفسها من خلال ذلك عن إثبات لشرعيتها بالاستناد إلى مؤسس الإسلام، وأجرت على لسانه الأقوال التي تعبر عن شعاراتها ) (116) .

وهكذا تم اختراع كم هائل من الأحاديث في العصر الأموي عندما اشتدت الخصومة بين الأمويين والعلماء الصالحين، ففي سبيل محاربة الطغيان والخروج عن الدين راح العلماء يخترعون الأحاديث التي تسعفهم في هذا الصدد، وفي الوقت نفسه راحت الحكومة الأموية تعمل في الاتجاه المضاد ، وتضع أو تدعو إلى وضع أحاديث تسند وجهات نظرها. وقد استطاعت أن تجند بعض العلماء الذين ساعدوها في هذا المجال.. ولكن الأمر لم يقف عند وضع أحاديث تخدم أغراضًا سياسية، بل تعدّاه إلى النواحي الدينية في أمور التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة . وقد استمر هذا الحال في وضع الأحاديث في القرن الثاني أيضًا (117) .

هذا هو ملخص المزاعم التي روجها ( جولد تسيهر ) ليهدم بها الأصل الثاني للإسلام وهو السنة. ولسنا هنا في معرض الرد التفصيلي على هذه المزاعم، فقد تكفل بعض أفاضل العلماء بذلك . ومن أهم الكتب القيمة في هذا المجال كتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للدكتور السباعي. فمن أراد التفصيل فليرجع إليه .

ولكننا هنا نود أن نشير إلى أننا لا ننكر أن هناك الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لا أصل لها، وأن ذلك لم يكن في يوم من الأيام خافيًا على علماء المسلمين في مختلف العصور. ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضًا أن علماء المسلمين الذين اهتموا بجمع الحديث النبوي لم يفرطوا إطلاقًا في ضرورة التدقيق الذي لا حدّ له في رواية الحقائق. فقد وضع القرآن أمامهم أهم قاعدة من قواعد النقد التاريخي في قوله تعالى:

(يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا ..) ( الحجرات:6) .

وتتمثل هذه القاعدة في أن أخلاق الراوي تعد عاملًا هامًا في الحكم على روايته . وقد أفاد المسلمون إفادة عظيمة من هذه القاعدة وطبقوها على رواة الأحاديث النبوية. وقد كان تطبيق هذا المنهج النقدي على رواة الأحاديث هو الذي تطورت عنه بالتدريج قواعد النقد التاريخي (118) .

ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة وبيان حالهم من صدق أو كذب. فقد وصلوا في هذا الباب إلى أبعد مدى، وأبلوا فيه بلاءً حسنًا، وتتبعوا الرواة ودرسوا حياتهم وتاريخهم وسيرتهم وما خفي من أمرهم وما ظهر ، ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، ولا منعهم عن تجريح الرواة والتشهير بهم ورع ولا حرج. قيل ليحيى بن سعيد القطان:

أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة ؟ فقال:

لأن يكون خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لم لم تذب الكذب عن حديثي (119) .

ويروي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قوله:

(.. لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ) .

ويقول ابن عبّاس أيضًا:

إنا كنّا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عيه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ) .ثم أخذ التابعون في المطالبة بالإسناد حين فشا الكذب. يقول أبو العالية:

كنّا نسمع الحديث من الصحابة فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم ) .

ويقول ابن المبارك: ( بيننا وبين القوم القوائم) يعني الإسناد (120) .

وقد وضع رجال الحديث القواعد الدقيقة التي ساروا عليها فيمن يؤخذ منه ومن لا يؤخذ، ومن يكتب عنه ومن لا يكتب. ويعلم ( جولد تسيهر ) وغيره من المستشرقين ذلك حق العلم، ويعلمون أيضًا أن ما بذله المسلمون في توثيق الحديث لم يبذل أحد من أتباع النصرانية واليهودية عشر معشاره في سبيل توثيق العهدين القديم والجديد، ويعلمون أيضًا أن إمامًا من أئمة الحديث مثل البخاري لم يأخذ في صحيحه بعد حذف المكرر إلا حوالي أربعة آلاف حديث فقط من مجموع حوالي نصف مليون حديث قام بجمعها وغربلتها حتى انتقى منها هذه الآلاف القليلة نتيجة للمناهج العلمية الدقيقة التي وضعها المحدثون. ولم يكن المسلمون في وقت من الأوقات في حاجة إلى من يعلمهم ذلك من أمثال ( جولد تسيهر) ومن سار على نهجه .

أما دعوى أن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأولين، وما ذكره ( جولد تسيهر) من حديث عن طفولة الإسلام ونضوجه .. إلخ فإن الواقع والتاريخ يكذب هذه المزاعم فإن الواقع والتاريخ يكذب هذه المزاعم .

فقد انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بعد أن اكتمل الدين تمامًا بنص القرآن الكريم حيث يقول:

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) (المائدة: 3) .

وهذه الآية الكريمة تتضمن أيضًا إكمال السنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما في الكتاب كما سبق أن أشرنا، فالحديث عن مرحلة نضوج للإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حديث لا أساس له، لأن النضوج كان قد تم بالفعل قبل وفاته. أما إذا كان المراد بالنضوج هو تطور الفكر الإسلامي أو الفقه الإسلامي فهذا أمر آخر مع الأخذ في الاعتبار أن تطور الفقه الإسلامي لم يخرج ـ في أثناء بحثه عن حلول لما جدّ في المجتمع الإسلامي من مشكلات لم يكن لها نظير من قبل ـ عن الخطوط العامة التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية .

أما أن الحديث كان انعكاسًا للتطورات التي شهدها المجتمع الإسلامي في القرنين الأولين فيكذبه الحديث الشريف الذي سبق أن أوردناه:

( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت