وأشاد آخر بالفوضى التي شهدها معرض الكتاب بالرياض الذي احتوى كتبًا فيها مخالفات لدين وثوابت وأخلاق المجتمع ، فكتب مقالًا بعنوان"انتهى زمن الوصاية (الوطن ، السبت 23 شعبان 1427 هـ، الموافق 16 سبتمبر 2006 م العدد 2178 ) قال فيه: لم يعد منطقيًا مثل تلك الوصاية الشديدة على عقل الفرد، وتحديد المسموح والممنوع له. إنه الآن يختار بوعي ... ويحاول أن يقبل بنهم على قراءة ما يستطيع ، لعله يعوض عن سنوات عجاف عاشها وهو يقذف بما قرأه عند أول نقطة حدودية، أو قبل أن يذهب إلى مطار العودة إلى الوطن."
أما التكفيريون ، فإنهم يكفِّرون المجتمع ، دون النظر إلى شروط التكفير وموانعه . وجعلوا الوطن دار حرب فاستهدفوا رجال الأمن والمفاصل الاقتصادية والمواقع الاستراتيجية ، لشبه وحجج قامت في عقولهم جعلتهم يسترخصون الأرواح ويستبيحون الأموال ، دون أن يلتفتوا لتحذير أهل العلم والفقه من ذلك .
والعجيب أن أحدهم لو سئل عن حكم شرعي جزئي لنصح السائل بسؤال أهل العلم الموثوقين في دينهم المعروفين بعلمهم وأمانتهم !!.
تساهل في الدماء والأرواح ، مقابل تحرٍ ودقة زائدة في المسائل الفرعية الجزئية !!.
قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وفي أمثالهم:"سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة".
ـــ كلا الفريقين لا ولاء حقيقي له . فلا ولاء لولاة الأمر ولا ولاء للوطن، بل الولاء لجهات خارجية تستخدمهم ـ من حيث شعروا أم لم يشعروا ـ أدوات لهدم الدار فوق رؤوسهم ورؤوس إخوانهم من المسلمين .
فالتغريبيون بطرحهم مشروع الدولة المدنية يسعون إلى ما يناقض اجتماع أهل العقل والحل والعقد والشورى على إمام واحد ولو كان ببيعة شرعية وحاكمًا بالشريعة .
ولا مكان فيها للشريعة في الدولة المدنية لأن الدولة المدنية نقيض للدولة الدينية الحاكمة بالشرع ، لأنها تقوم على فلسفة الديمقراطية وإلغاء مفهوم الدين من الممارسة السياسية وهو ما يعني إلغاء البيعة الشرعية والطاعة والحكم بالشريعة ، وتحويل نظام الحكم إلى ملكية دستورية تقتصر مهامها على بعض المراسم والشكليات .
والتغريبيون لا ولاء لهم اتجاه الوطن ، لأنهم بمهاجمتهم خصوصية المملكة يصادمون الأسس التي قامت عليها الدولة ، وهي نشر التوحيد تحيكم الشريعة وخدمة الحرمين الشريفين ، فهؤلاء لا تروق لهم هذه الخصوصية ، فهاجموها وانتقدوها إفساحًا للمجال أمام رياح التغريب لتهب قوية على المملكة بإضعاف الدعوة ، وتهميش العلماء ونشر الفساد بصوره وألوانه والدفع باتجاه تخلي المملكة عن دورها الريادي الدعوي.
ووجه آخر من عدم ولائهم للوطن ، هو ما صرح سمو وزير الداخلية وفقه الله من تورط بعضهم بالعمل لحساب جهات أجنبية . هذه الجهات التي أغرتهم بالمال والاستثمارات والامتيازات تستعملهم خنجرًا في نحر الوطن وسهمًا مسمومًا في صدور أبنائه لإفسادهم وزعزعة قناعاتهم بتحكيم الشريعة والتحاكم إليها تزامنًا مع غزو فكري غربي مركز وشرس .
أما التكفيريون فقد جعلوا طاعتهم وولاءهم لأشخاص يحركونهم بالخطابات الحماسية والرسائل الانترنتية والعبارات المشفَّرة ، عبر قنوات عميلة ومواقع مشبوهة ، ولا يُعرف هؤلاء بعلم ولا فقه ولا حرص على مصالح الأمة وقضاياها .
قال عمر محمود أبو عمر المشهور بأبي قتادة الفلسطيني ـــ أحد قادة القاعدة ومنظريها ـــ في مقال بعنوان"أدعياء السلفية و العمالة للطاغوت"، قال: ... فإنّ السّلفيّ الذي يعتقد بإمامة عبد العزيز بن باز ومحمّد بن صالح العثيمين واللحيدان والفوزان ... كائنًا من كان هذا السّلفيّ ومن أيّ بلدٍ كان، فإنّه سيعتقد في النّهاية بإمامة آل سعود، لأنّ مشايخه هؤلاء يدينون بالولاء والطّاعة لآل سعود، فإمام شيخي إمامي"."
فهؤلاء لا يرون في أعناقهم بيعة لولاة الأمر ، ولا يعتقدون بوجوب طاعتهم في غير معصية الله ، ولا يتبعون منهج النصح والدعاء لهم .
بل إن الواحد منهم يرفض أن ينسب نفسه إلى بلاده ، فإذا سئل عن ذلك قال: أنا من جزيرة العرب ، ويرفض أن ينسب نفسه إلى المملكة، وكأن المملكة هي الفاتيكان أو تل أبيب أو هوليوود وكر الإفساد اليهودي العالمي ، أو نيو أورليانز المعروفة بمجونها وتفلتها .
ومثل ذلك دعوة بعض التغريبيين إلى التخلي عن الهويات القومية والوطنية واتباع مبدأ أنسنة الهوية ، فقال (عكاظ 20 / 8 / 1427هـ، الموافق 13 سبتمبر 2006 م العدد 1914 ) : إن الهويات القديمة قد باتت في حكم التاريخ، وأن البشرية إزاء ما تفعله منجزات التقنية، وما تتضمنه الاتفاقات السياسية والتجارية من تبعات، لا تملك إلا الانتماء إلى جذرها الإنساني العام، خارج الترسبات القاتلة للهويات.
ولكن كيف نصل إلى ذلك الحلم الطوباوي الجميل، في العمل على أنسنة الهوية خارج ما لحق بها من توحش ؟.
فكلا الفريقين خلع اليد من الطاعة: الأول خلعها بطريقة معنوية ـــ إن صح التعبير ـــ وبطريقة خفية مبهمة لا يكاد يلحظها أحد في ظل دندنتهم الدائمة في مقالاتهم حول الولاء والطاعة ،لكن الأفعال على الأرض تناقضها .
أما الفريق التكفيري فكان أقل مكرًا ودهاء من الفريق الأول ، إذ أعلن صراحة أنه يخلع يد الطاعة .
وفي كلا الفريقين يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه". رواه مسلم (1848) .
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومه لائم". رواه البخاري (6774 ) ."
ـــ ومن جناية قطبي الانحراف الفكري: تضييع الطاقات الشابة وتبديدها .
فروح دعوى التغريب هي الإفساد وزج الشباب في أتون الرذيلة ، وصرفهم عن معالي الأمور إلى سفاسفها ، وتهميش اهتماماتهم بدلًا من الجدية والعمل بما ينفع دينهم ووطنهم ومجتمعهم ، إلى الاهتمام بقصات الشعر وصيحات الأزياء وموضات السيارات والجوالات ، ومعاكسة الفتيات وإشباع الشهوات وطلب اللذات .كل ذلك بذريعة التحذير من التطرف الديني والغلو وإخراج الشباب من رقة الانغلاق والتشدد .
ويأتي الفكر التكفيري ليوقع من بعض من سلموا من المكر التغريبي في فخ التكفير، حيث استقطب هذا الفكر شريحة من الشباب مستغلًا التجاوزات التي يقوم بها التغريبيون ، فاندفعت إليه هذه الفئة بإخلاصها وحبها لدينها ظنًا منها أن اعتناق هذا الفكر نوع من المر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فجعلها طاقات هدم وتخريب في الأمة بدلًا من أن تكون طاقات بناء .
ـــ ومن جناية الفكر المنحرف بشقيه: تنفير الناس من التدين. فالتغريبيون يهاجمون الملتزمين والمتدينين بحجة أنهم متزمتون لا يواكبون روح العصر ولا يسايرون ركب الحضارة ، وأن الدين هو سبب التخلف .
ويأتي التكفيريون بأفعالهم الدموية لينفروا الناس أيضًا بالإيحاء بأن الدين لا يعرف لغة سوى القتل والتفجير .