وما كان الإنسان ليشذ عن هذه القاعدة، وهو أرقى صور الحياة وأملها، غير أن العقل والأديان، قد نظمت قواه، وحدت من غرائزه، التي تدفعه للقتال، دائمًا وأبدًا.. لكنها لم تقض على هذه الغريزة.. وإلا لقضت على الحياة في أساسها، فبقيت غريزة القتال كامنة في النفوس، لا تلبث أن تحتدم، متى وجدت دواعيها، وتهيأت أسبابها.. وما أكثر الأسباب والدوافع، التي تفضي إلى المنافسة بين أبناء البشر.
والإنسان حين يفقد سلامه النفسي في داخله، يفقد سلامه الاجتماعي والعالمي في خارجه، ويعدم الراحة، والهدوء، والانضباط، ويتلفت عن يمين وشمال، فلا يرى إلا جيوش الأهواء والنزوات، وفيالق الأثرة والمطامع تدق طبولها، معلنة، على قراره الذاتي، وسلامه النفسي، حربا ضروسًا، لا تلبث إلا ريثما يضيق بها ميدان وجدانه، ومجال مشاعره، لتمد ألسنتها، حامية الوطيس، مشتعلة الأوار، خارج هذا النطاق، لتأتي على الأخضر واليابس، من علائق الأفراد والجماعات، والأمم، ومقدراتها، وممتلكاتها، ومناطق نفوذها، وما سطرته يراع الإنسانية من معالم الحضارة، ومشاهد التقدم، ووسائل المدنية، التي ترمي إلى ترقية الحياة، وتهذيبها..
والويل كل الويل، يوم يذر قرن الفتنة، وتشرئب الأهواء النافرة، والنزعات الشاردة، والمطامع الفاغرة، معلنة إصرارها على طمس الحق وأهله. لهذا كان حرص الإسلام البالغ، على أن يتصف أهل الإيمان بالقوة، وعلى أن يكونوا دائما على استعداد، لمواجهة أهل الباطل، مهما تكن التضحيات في النفس، والأهل والمال. . والتحفظ الوحيد الذي وضعه الإسلام على قوة المسلمين، هو أن تكون قوتهم في خدمة العدل والسلام، وأن تنأى عن البغي والعدوان.
قال تعالى: (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) (الحج:40) . ذكر القرطبي في تفسيره: أنه لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لا ستولى أهل الشرك، وعطلوا ما بنته أرباب الديانات، من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال، ليتفرغ أهل الدين للعبادة. . فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات.
حقًا إن الإسلام حين يضطر إلى القتال، فإنما يمارس أشرف أنواع القتال وأنبله، ذلكم الذي لم ولن تعرف الدنيا له عدلا ولا نظيرًا، من قريب أو بعيد، من حيث أسبابه، وأهدافه، وغاياته، وملابساته، وظروفه. .
إن أسباب القتال جميعا تلتقي عند درء العدوان،ورد الهجوم، واسترداد الحق السليب، والكرامة المهيضة، والأمل الشريد، واقتلاع جذور الظلم، وكسر حدته، وانحسار موجته. . ولو لا أن يغري الله به المؤمنين، لا عتلت المفاهيم، واختلت الموازين، واضطرب أمر الحياة، ولخلا وجهها من الحق وجنده. وتلتقي أيضا بواعث القتال عند درء الفتنة، إذا ذرقرنها، واستيقظ شرها، وتطاير شررها، فإن طاقات النفس محدودة، وقدراتها تحت مطارق الفتن، وصروف الهوان قاصرة، يخشى حالئذ أن تلين، أو تهون، أو تتشتت، فتعطي خصمها الدنية في ذاتها، ويقينها. . إذ التلويح، والتلميح، والمساومة، والإلحاح، والرغبة، والرهبة. . من أخطر الأساليب التي تمس أغوار النفس، في ظروف العسف، والقهر، والبغي، والطغيان. . فيلين عودها، ويتبخر ريها، وتأتي على ما في قرارها من يابس وأخضر. . وما لم يتدارك هؤلاء تحت العذاب والفتن، ومعاول الهدم.. فإنهم لا يلبثون إلا ريثما تضيق على أعناقهم قبضة الفتن، فإذا هم ساقطون. . إن القتال حينئذ حبل إنقاذ، ينقذ المحطومين، ويمنع المتآمرين، من التوسع والمزيد. . ولا ملام في هذا، فمن أشعل الفتنة صلى نارها، ومن سل سيف البغي صُرع به.
وإن القتال في الإسلام كما يكون لأهل العدوان والاضطهاد، والفتن، يكون أيضًا، لمن يهددون الأمن، ويقلقون السلم. . ويكون لمن يدسون الدسائس، ويزرعون الوقيعة، ويبثون الخدع، وينشرون الأراجيف، وينفثون السموم، ويروجون لأساليب الهدم والدمار، من المذبذبين، وذوي الضمائر الفاسدة، والذمم الخربة، وأهل النكث والخيانة. ومن لديهم الاستعداد إلى الانسلاخ من كل مبدأ، والتلون بكل لون، وتغيير جلودهم ، حسب الملابسات والظروف.
وما كانت أسباب القتال في الإسلام راجعة يوما (ما) إلى عدوان منه، أو بغي أو تسلط، أو قسر، أو إكراه.. وما كانت أيضا معاداة، ولا باطلًا. وإنما كان الأمر معه على العكس. . فالمسلمون كانوا على مر العصور ضحايا القسر والتعذيب، والطغيان، والقهر.. ولذا لجأ المسلمون لمحاربة القوة بالقوة، لأنه لا تحارب القوة بالحجة، ولكن بمثلها، فلا يفل الحديد إلا الحديد، فكانت حروبه جميعًا لاتقاء هجوم مبيت، من قبل طغاة متجبرين، لا يألون جهدًا، في مباغتة الإسلام بالهجوم عليه، والإيقاع به، وفض الناس عنه..
إذن حتمية المواجهة تستدعي من المسلمين -أمة، أو مجموعة من المجتمعات- ضرورة التهيؤ، والاستعداد، وليس شرطًا أن ينتظر المسلمون، حتى يروا أمارات السوء، والشر والعدوان، من عدو معروف لهم، فيبدءون في أخذ وسائل الدفاع. . إنما عليهم أن يدركوا طبيعة الحياة في هذه الزاوية الهامة، التي تحكم بوجود الصراع، تجربة، وتاريخًا، واقعًا، بين الناس، فيبذلون قصارى جهدهم ، في إعداد القوة، حتى ولو لم يكن أمامهم عدو معروف، ومعلوم لهم.
وإلى هذا المعنى يوجه القرآن الكريم المؤمنين، فيقول تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) (الأنفال:60) .
فالله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بالاستعداد للحرب التي لا بد منها لدفع العدوان وحفظ الأنفس. والحق، والفضيلة. . ويكون ذلك بأمرين:
الأمر الأول: إعداد المستطاع من القوة، ويختلف هذا باختلاف الزمان، والمكان، والواجب على المسلمين في هذا العصر، صنع المدافع والطائرات والدبابات وإنشاء السفن الحربية، والغواصات، ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات، التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيرها من قوى الحرب.
وقد استعمل الصحابة المنجنيق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في غزوة (خيبر) وغيرها. روى مسلم عن عقبة بن عامر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد تلا هذه الآية. يقول: (ألا إن القوة الرمي) قالها ثلاثًا. وذلك أن رمي العدو على بعد، بما يقتله، أسلم من مصاولته على القرب بسيف أو رمح أو حربة، أو نحو ذلك.
وهذا يشمل السهم وقذيفة المنجنيق والطيارة والمدفع والبندقية ونحوها. . فاللفظ يشملها وإن لم تكن معروفة في عصره صلى الله عليه وسلم.
والأمر الثاني: مرابطة الفرسان في ثغور البلاد وحدودها. . إذ هي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم للبلاد. . والحكمة في هذا، أن للأمة الإسلامية جند دائم، مستعد للدفاع عنها، إذا فاجأها العدو على غرة. . (ترهبون به عدوّ الله وعدوكم ) أي أعدوا لهم المستطاع من القوة الحربية، ومن الفرسان المرابطة، لترهبوا أعداء الله الكافرين به..
فالكفار -إذا علموا استعداد المسلمين، وتأهبهم للجهاد، واستكمالهم لجميع الأسلحة والآلات، خافوهم، وإلى هذا يشير أبو تمام إذ يقول:
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم
إن الدم المغير يحرسه الدم
وهذا الخوف يفيد المسلمين من وجوه: -
1-يجعل أعداءهم لا يعينون عدوًّا آخر عليهم..
2-يجعلهم يؤدون الالتزامات المطلوبة منهم..