فهرس الكتاب

الصفحة 903 من 3028

-و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحكمة: الإصابة في غير النبوة ) .

-و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها ) .

ويقول ابن رشد: (إنّا ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرًا في الموجودات، واعتبارًا لها، بحسب ما اقتضته شرائط البرهان. أن ننظر في الذي قالوه من ذلك، وما أثبتوه في كتبهم. فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسررنا به، وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه، وحذرنا منه، وعذرناهم) .

وسيرًا في ضوء هذا المنهج الإسلامي وجدنا العصور الذهبية للمسلمين، تفتح صدورها لامتصاص المعرفة الإنسانية المادية التي خلفتها في الأمم والشعوب، وحضارات سالفة.

اللقاء الحضاري:

اللقاء الحضاري الإسلامي، مع حضارات الأمم المختلفة، تم بناء على: أن العالم هو أقرب ما يكون إلى (منتدى) عالمي لحضارات متميزة، تشترك أممها في عضوية هذا المنتدى، ومن ثم فإن بينها ما هو (مشترك حضاري عام) . وأيضًا فإن هذه الأمم تتمايز حضاريًا. الأمر الذي يستدعي الحفاظ على الهويات الحضارية المتميزة، لا لمجرد الحفاظ عليها، رغم أهميته، إنما لأسباب وطنية، وعقدية، تلعب دورها، في إنهاض أمم كثيرة من كبوتها وتراجعها، لما لهذه الخصوصيات من قدرات على شحن شعوب هذه الأمم بالكبرياء المشروع، والطاقات المحركة، في معركة الإبداع، ولما للتعددية الحضارية من دور في إثراء مصادر العطاء العالمي.

والذين يعايشون حياة الشعوب والأمم ذات الحضارة الغنية، والتاريخ القديم، والتراث العريق، أو يغوصون في تراث هذه الأمم وفلسفتها، ومذاهبها، وتقاليدها، وأعرافها، يدركون أن العالم الإنساني به أمم متعددة ، تتميز كل منها بشخصيتها القومية، والحضارية المتميزة.

إن العناصر الخارجية ضرورة حتمية، لا تستغني عنها أي حضارة، مهما سمت وارتفعت. إنها تمتزج، لتكون وإياها صيغة جوهرية تختلف من تراث إلى آخر. وهذه العناصر الخارجية، تأتي بطريق الاقتباس الإرادي المباشر المقصود. والاقتباس والنقل، عملة متداولة بين الشعوب قاطبة، فكل حضارة أبدعت ونقلت وأخذت وأعطت، ولم توجد قط حضارة أبدعت ولم تنقل، فالنقل، ليس وباء وإنما هو غذاء، والاستعارة ليست عارًا، وإنما هي فخار.

فالتأثيرات الحضارية والاستعارات الثقافية والأفكار والآراء والنظريات المتبادلة بين الأمم والشعوب، إنما هي ظاهرة صحية طبيعية سليمة، لا خطر فيها ولا خوف منها.

والعرب هم وارثو الحضارات القديمة، إذ لم يكونوا قبل الإسلام معزولين عن جيرانهم أصحاب الثقافات العريقة عزلة كاملة. فقد انفردت الصحراء العربية بين صحاري العالم أجمع، بأنها أحيطت منذ القدم بأرقى حضارات العالم.

ففي الشمال ازدهرت حضارة ما بين النهرين، وحضارات الإغريق، والكنعانيين، والآراميين، وجزر بحر إيجه.

وفي الغرب ازدهرت حضارة المصريين القدماء، وفي الشرق كانت الحضارة الفارسية، ومن ورائها الحضارات الآسيوية الأخرى. وفي الجنوب كانت حضارة اليمن.

وكانت القوافل العربية دائبة الحركة بين مراكز هذه الحضارات، عند أطراف الصحراء، تنقل البضائع والسلع، وكان لا بد أن تتحرك المعارف والثقافات مع السلع والبضائع، وأن تختلط هذه الثقافات، وتتزاوج في حركة بطيئة ولكنها ثابتة مستمرة. وأن يؤدي كل ذلك إلى تصفية الأفكار والمعارف وتقدمها، تبعًا لهذا الاختلاط والتزاوج.

في هذا الجو جاء الإسلام . إنه لم ينتشر في فراغ. فالأمم التي صادفها أو اتصل بها، في حركة المد الكبيرة، أو تلك التي اعتنقته ودانت به، أمم عرفت حضارات شتى، وثقافات متنوعة، ومرت بتجارب روحية، وخبرات مادية متعددة.

وكان اختلاط العرب بهذه الأمم اختلاط قتال وحروب ومعارك أولًا. ثم اختلاط حضارة وثقافة وأفكار بعد ذلك . ومن هنا كان التأثير والتأثر. ومن هنا كان التفاعل والإخصاب، وكان الأخذ والعطاء، وتبادل الأفكار والآراء.

وبذلك عرف العرب حضارة الهند، وحكمة فارس، وفلسفة اليونان، واختلط المسلمون بأقوام تنوعت عقائدهم، وتشعبت آراؤهم. والتقوا بمئات المفكرين والباحثين والمثقفين. واتصلوا بأصناف من الأفراد والجماعات لا تدخل تحت حصر. وشاع التزاوج والأصهار وتفاعلت العادات والتقاليد والآراء والأفكار والمذاهب والمواقف والعلاقات. وجاءت وحدة الدين لتعطي هذا التفاعل صيغة فريدة. ونتج عن ذلك كله تمازج فكري واجتماعي وروحي جديد، أعطى الحضارة الإسلامية معناها ومبناها.

وكلما ذهبنا نبحث في حضارات الأمم ، وجدنا أن اللقاء والتفاعل الحضاري، الذي عرفه التاريخ بين الحضارات العريقة المالكة لما هو (مشترك) ولما هو (خاص) قد تم وفق: أن هناك (ما هو مشترك إنساني عام) وهناك ما هو خاص.

فالتقاء الحضارات -وهو مَعْلم من معالم التاريخ الحضاري للإنسانية، وتفاعل هذه الحضارات عندما تلتقي- هو قدر لا سبيل إلى مغالبته أو تجنبه، لكنه تم دائما وأبدًا، وفق هذا القانون الحاكم: التمييز بين ما هو مشترك إنساني عام، تفتح له الأبواب والنوافذ، بل ويطلبه العقلاء، ويجدون السعي في تحصيله، وبين ما هو خصوصية حضارية. يدققون -في حذر- قبل استلهامه وتمثله. ويعرضونه على معايير حضارتهم، لفرز ما يقبل منه ويتمثل، من ذلك الذي يرفضونه، لما فيه من تناقض مع هويتهم الحضارية وقيمهم الإعتقادية.

ولقد اختلط الأوروبيون بمن هم أرقى منهم، فاستفادوا من الحضارة الإسلامية، فساعد هذا على قيام النهضة الأوروبية الحديثة.

إن أوروبا استطاعت أن تتفاعل مع الحضارة الإسلامية، وتأخذ عنها، وتستفيد منها، فيما هو (مشترك إنساني عام) . . أما ما كان من خصوصية للحضارة الإسلامية، فقد رفضها الغرب.

لقد أقبل الغرب بنهم على امتلاك رصيد الحضارة الإسلامية من العلوم الطبيعية، علوم المادة وظواهرها، وخصائصها. . وعلوم التمدن المدني والعلمي، مثل علوم الطب، والصيدلة، وقواعد النظافة العامة والخاصة، وعلوم الزراعة، والنباتات، والحيوان، وفنون وعلوم الحرف والصناعات، والتجارة، والمواصلات، ووسائل الاتصال، وفنون القتال، واستخدامات الحرب، وطبقات الأرض وأنواعها، والمعادن، والبصريات، والمناظر، والكيمياء، والفلك، والرياضيات، من جبر وهندسة وحساب، والجغرافيا، والرحلات، وعلوم البحار، والملاحة فيها. . وغير ذلك من علوم وفنون.

لقد أخذ الغرب، من الحضارة الإسلامية، ما هو (مشترك إنساني عام) وترك من الحضارة الإسلامية، ما هو خصوصية حضارية إسلامية.

(لقد أجمعت تيارات فكر النهضة الغربية، على رفض أبرز خصائص الحضارة الإسلامية. وهي خصيصة(التوحيد) وخصيصة (الوسطية) وخصائص أخرى كثيرة تتصل بالإسلام، وعقائده.

ورفض الغرب لهذه الخصائص الإسلامية، هو الذي ميّز الحضارة الغربية بطابعها المميز: الطابع المادي.

-فالحضارة الإسلامية قامت بعملية (توفيق) ما بين الحكمة والشريعة، ولكن الحضارة الغربية تميزت بإخراج الدين من إطار العقل، كما أخرجت الدنيا والدولة وعلوم التمدن من إطار الدين.

-والحضارة الإسلامية ربطت بين الدين والدولة، والحاكم والمحكوم، والحضارة الغربية فصلت بين الدين والدولة في خصوصية حضارية فكانت العلمانية.

(لقد أجمعت تيارات فكر النهضة الغربية، على رفض أبرز خصائص الحضارة الإسلامية. وهي خصيصة(التوحيد) وخصيصة (الوسطية) وخصائص أخرى كثيرة تتصل بالإسلام، وعقائده.

ورفض الغرب لهذه الخصائص الإسلامية، هو الذي ميز الحضارة الغربية بطابعها المميز: الطابع المادي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت