وكل المجموعات البشرية، تعمر صدورها الرغبة بالحياة والخلود، وهذا العامل عنصر غير مادي، وهو ضروري لكل حضارة، لكي تولد، وتحيا، وتتطور، وجميع العناصر المكونة للحضارة متفاعلة فيما بينها باستمرار، وتتطور بوتائر متفاوتة بين السرعة والبطء.
وإن أول ما يسترعي انتباه المراقب، الذي ينظر للحضارة من الخارج، هو صفاتها الجمالية، وإدراكها للجمال بشكل عام، والأساليب الفنية المعبرة عنه. ولا يخفى أن الحوار الحضاري، يتم من أجل الصفات الجمالية في الحضارة.
وتعتبر المنشآت المادية، والأدوات والتماثيل والكتابات، ذات أهمية خاصة بالنسبة لمفاهيم الجمال في كل حضارة. ويأتي بعد علم الجمال كل ما له علاقة بالحياة المادية، كفن الطبخ، وطريقة التغذية، وصناعة الفخار، والأواني، والأدوات المنزلية، والمفروشات، والمنشآت والأدوات والآلات والأسلحة، حيث يتم الجمع بين الفائدة المباشرة، والصفة الجمالية.
والفاحص المدقق: يجد أن تيار الفكر الحضاري الإنساني، يتخذ طابعا واحدا، لا ينحو كثيرا عن تاريخ الإنسان ذاته. فالحضارات والثقافات المختلفة، تتفاعل مع بعضها. فتنتج للإنسان ما يشبع حاجته الفكرية والمادية. . وبذا فإن الحضارات الإنسانية على مر العصور، تكون كلا متماسكا. يترابط بنيانه العضوي، كحلقات السلسلة الواحدة، التي لا تنفصم الواحدة منها عن الأخرى. .
ولا يمكن أن تكون كل حضارة نشأت بمعزل عن غيرها من الحضارات الأخرى. أو أنها لم تتفاعل معها. ونظرتنا الأساسية تقوم على أن الحضارات تأخذ وتعطي. تأخذ ما يتفق مع طبيعة البنيان العقلي والفكري للأمة. وتعطي ما تجود به نوعيتها ونشاطها الفعال. وبطبيعة الحال، فإن هذا التفسير أقرب إلى فهم روح الفكر، والنشاط الإنساني المتصل، الذي بدأ تاريخه ومسيرته مع بداية الإنسان على هذه الأرض.
ولا يخفى أن النشاط العقلي، والإنتاج الحضاري، لا بد وأن يستند إلى أدلة ملموسة، والأدلة في هذه الحالة، إما مادية مثل النقوش والمعابد، والآثار والمنشآت، وكل شكل الإنتاج التكنولوجي. وإما فكرية مثل الوثائق، والمؤلفات، والكتب، والنظريات العلمية، والآراء المدونة كتابة.
أما فيما يتصل بالأدلة المادية، فإنها ميدان اهتمام التاريخ وباحثيه، وعلماء الآثار، ودارسيها. فدراسة هؤلاء تفسير الحضارة الإنسانية بالأدلة المادية، التي تميز حضارة من الحضارات عن غيرها. على حين أن الفلاسفة ومؤرخي العلم، يهتمون بصورة أساسية بالنشاط الفكري، والنظريات والآراء، وتطور الأفكار، التي يقومون على تحليلها ونقدها، ثم محاولة تفسيرها من خلال عملية التركيب المنطقي، للوقوف على الفلسفة الكامنة في باطن الفكرة ذاتها.
إن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه خليفة الله في الأرض. قال تعالى: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة ) (البقرة:30)
وقد فضل الله الإنسان وكرمه. كما وضح ذلك في قوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ً) (الإسراء:70)
وهذه الكرامة التي اختص الله بها الإنسان ذات أبعاد مختلفة. فهي حماية إلهية للإنسان، تنطوي على احترام حريته، وعقله، وفكره، وإرادته.
وهذه الكرامة تعني في النهاية، الحرية الحقيقية، وهي تلك الحرية الواعية المسؤولة التي تدرك أهمية تحملها أمانة التكليف والمسؤولية. التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) (الأحزاب:72)
وإذا كان الله قد اختص الإنسان بالتكريم، وجعله مكلفا ومسؤولًا، فإنه من ناحية أخرى قد خلق له هذا الكون، بما فيه، ليمارس فيه نشاطاته المادية، والروحية على السواء.
يقول الله تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (الجاثية:13)
والتفكير الذي تنص عليه الآية هنا أمر جوهري لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان.
فإنه إذا كان الله قد سخر للإنسان هذا الكون. فلا يجوز له أن يقف منه موقف الامبالاة، بل ينبغي عليه أن يتخذ لنفسه منه موقفا إيجابيًا، وإيجابيته تتمثل في درسه ، والنظر فيه، للاستفادة منه، بما يعود على البشرية بالخير.
والاستفادة من كل المسخرات في هذا الكون، لا تكون إلا بالعلم والدراسة والفهم.
والنظر في ملكوت السماوات والأرض على هذا النحو، سيؤدي إلى الرقي المادي، وفي الوقت نفسه، إلى الرقي الروحي. والحضاري.
والحضارة الإسلامية هي عمارة الأرض، وترقية الحياة على ظهرها خلقيًا، وعلميًا، وأدبيًا، وفنيًا، واجتماعيًا، وفق منهج الله وشريعته.
وبناء على هذا المفهوم. فإن المجتمع الإسلامي، - وهو المجتمع الذي يطبق شريعة الله في كل جوانب الحياة - هو وحده المجتمع المتحضر. والمجتمع المتحضر هو الذي تكون القيم الإنسانية، والأخلاق الإنسانية التي يقوم عليها، هي السائدة فيه. وهذه القيم هي التي تنمي خصائص إنسانية الإنسان، وهي التي تميزه عن غيره من المخلوقات.
وهذه القيم إنما هي قيم إنسانية، ذات ميزان ثابت. وهي مقررة في الشريعة الإسلامية منذ جاءت، وما على الإنسان إلا أن يمضي في بنائها وصيانتها في كل المجتمعات التي يقيمها، حضرية كانت أم بدوية؛ صناعية كانت، أم زراعية، فالمهم في كل الأحوال هو الارتقاء صعدًا بالحقائق الإنسانية وحراستها من النكسة إلى الحيوانية التي تؤدي إلى التخلف.
إن الحضارة الإسلامية تقوم بهذه القيم، وبهذه الأخلاق، في كل مكان، وفي كل بيئة. أما أشكالها وصورها المادية، فهي كثيرة ومتنوعة، لأنها في كل بيئة تستخدم المقدرات والمعطيات الموجودة بها فعلا، وتنميها وفقا لميزان الله الثابت، وقيم الإنسان المقررة في شريعة الله.
فالإسلام حين يدخل المجتمعات البدائية ينشئ الحضارة المناسبة لهذا المجتمع. وحين يدخل المجتمعات المتقدمة صناعيا أو زراعيًا أو غير ذلك، فإنه يستخدم كل ما لديها من معطيات. ويقيم حضارة هذه المجتمعات مستفيدا مما لديها.
وإذا كان هذا هو مفهوم الحضارة الإسلامية، فإن التخلف الحقيقي -في مفهوم المجتمع الإسلامي المتحضر- هو تحويل منجزات العلم الهائلة إلى قوى باغية للتدمير والتسلط، وتسخير إمكانيات العلم غير المحدودة في نشر الفوضى والعادات غير الخلقية، بدلا من استخدامها في إعلاء القيم الإنسانية، وفي خدمة الإنسان دون بغي أو ظلم أو تحكم أو إبادة.
إن مهمة العلم في مفهوم المجتمع الإسلامي المتحضر ليست قهر الطبيعة أو الانتصار عليها، بل التلطف مع الطبيعة، والجد في اكتشاف قوانين الله فيها.
وإذا كان هذا هو عمل الإسلام حينما ينشئ حضارة، فإن هذه الحضارة التي دعا إليها الإسلام تتميز بأنها منفتحة الحدود الفكرية، والنفسية، والمادية.
والنصوص الإسلامية التي تعلن هذه الحقائق كثيرة. منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ) .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) .
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا فلسطه على هلكته في الحق: ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، يعلمها ) .