أما الحضارة: فإنها مأخوذة من الحضر، والحضر خلال البدو،: والحاضر خلاف البادي: وفي الحديث: (لا يبع حاضر لباد) الحاضر المقيم في المدن والقرى: والبادي المقيم بالبادية. ويقال: فلان من أهل الحاضرة، وفلان من أهل البادية، والحضارة - بكسر الحاء - الإقامة في الحضر، وكان الأصمعي يقول: الحضارة بالفتح. قال القطامي:
فمن تكن الحضارة أعجبته
فأي رجال بادية ترانا
والحضر والحاضرة: خلاف البادية. وهي المدن والقرى والريف، سميت بذلك، لأن أهلها حضروا الأمصار، ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار. إذن أهل الحضر يوصفون بأنهم أهل القرار، كما يقال: قراري للحضري الذي لا ينتجع ولا يتنقل طلبًا للكلأ في مواضعه. كذلك يوصف أهل الحضر بأنهم (أهل المدر) وهو قطع الطين المتماسك. أو أهل الحجر، لأنهم يسكنون بيوتا متينة ثابتة، خلافا لأهل الوبر، الذين يسكنون الخيام، من وبر الإبل ، أو صوف الغنم، أو شعر الماعز.
ومفهوم كلمة (الحضارة) مفهوم متطور مع الزمن، لا سيما في تاريخ الحياة العربية. ولقد عرف العرب الفارق، بين حياة البادية، وحياة الحضر، منذ كانت بادية، ومنذ كان حضر. ولكن أول من تصدى لهذا التمييز على أساس الدراسة الواعية، هو العلامة عبد الرحمن بن خلدون. بل إن هذا العالم، هو أول من عالج شؤون الحضارة العربية بطريقة علمية. . ويرى: أن الحضارة هي النمط من الحياة المستقرة، والذي يناقض البداوة، ويضفي على حياة أصحابه فنونًا منتظمة من العيش، والعمل، والاجتماع، والعلم، والصناعة، وإدارة شؤون الحياة، والحكم، وترتيب وسائل الدعة، وأسباب الرفاهية.
والحضارة عند ابن خلدون (طور طبيعي أو جيل من أجيال طبيعية في حياة المجتمعات المختلفة، وأنها غاية العمران) .. ويقول: (إن الحضارة في الأمصار من قبل الدول، وأنها ترسخ باتصال الدول ورسوخها، إنها أحوال زائدة على الضروري من أحوال العمران، زيادة تتفاوت بتفاوت الرقة، وتفاوت الأمم في القلة والكثرة، تفاوتًا غير منحصر، ويقع عند كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها، فتكون بمنزلة الصنائع ويحتاج كل صنف منها إلى القومة عليه، والمهرة فيه.
والباحث يجد أن مفهوم الحضارة في العصور المتأخرة، قد امتد إلى ألوان من المعنى، هي أبعد وأوسع مما رآه ابن خلدون في عصره، وفي البيئة العربية، وفي انتقالها الاجتماعي والسياسي والمدني من البادية إلى الحضر. إن لفظ الحضارة في مفهومه العام والحديث المعاصر بصفة خاصة، قد أصبح أكثر اتساعًا، مما يدل عليه اللفظ في مفهومه اللغوي التقليدي. . ولذا جاء في المعاجم الحديثة: أن الحضارة هي الرقي العلمي، والفني، والأدبي، والاجتماعي والاقتصادي في الحضر . وبعبارة أخرى أكثر شمولا هي: الحصيلة الشاملة للمدنية والثقافة والفكر، ومجموع الحياة في أنماطها المادية والمعنوية، ولهذا كانت الحضارة، هي الخطة العريضة كما وكيفا، التي يسير فيها تاريخ أمة من الأمم. ومنها الحضارات القديمة والحضارات الحديثة والمعاصرة، ومنها الأطوار الحضارية الكبرى، التي تصور انتقال الإنسان، أو الجماعات من مرحلة إلى مرحلة.
فالحضارة بكل بساطة، معناها: بذل المجهود، بوصفنا كائنات إنسانية، من أجل تكميل النوع الإنساني ، وتحقيق التقدم من أي نوع كان في أحوال الإنسانية، وأحوال العالم الواقعي.
إن الحضارة تنشأ حينما يستلهم الناس عزما واضحا صادقا عن بلوغ التقدم، ويكرسون أنفسهم تبعا لذلك، لخدمة الحياة وخدمة العالم.
والحضارة باختصار شديد: هي جملة المظاهر المعنوية التي يخلفها التاريخ، والتي تبقى في المجتمع على مر الأيام، دليلًا على القدرات الذهنية المميزة، وتعبيرا ، عن روح هذا المجتمع والشعب، الذي يمثله. ولا شك أن المظاهر المعنوية، تأخذ قوالب مادية مختلفة، تتجسم فيها تلك المعنويات، وتشكل المظاهر المعنوية في صور مختلفة كالفنون والآداب والعلوم والمعارف. ومجموع ما ينتج عن ذلك كله من تسجيلات ومشاهد في الآثار والعمائر وأسلوب الحياة، وآداب المعاش اليومي.
لقد عرف العلماء الحضارة تعاريف متباينة، وتحدثوا عنها من وجهات نظر مختلفة، ولما كانت الحضارة إنسانية النشأة، كان علينا أن نختار من تعريفات الحضارة المتعددة تعريفا ذكره العلامة الفرنسي (جورج باستيد) جاء فيه: أن الحضارة هي التدخل الإنساني الإيجابي لمواجهة ضرورات الطبيعة، وتجاوبا مع إرادة التحرر في الإنسان ، وتحقيقا لمزيد من اليسر في إرضاء حاجاته ورغباته، وإنقاصا للعناء البشري). فالسلوك الإنساني الذي ينتج الحضارة، هو استجابة لتحد من ظروف الطبيعة، يكون هو المثير والدافع والحافز للإنسان كي يتغلب على ما يواجهه، ومن ذلك عوامل في طبيعة الإنسان نفسها مثل حاجاته للطعام، والشراب، والدفء، والاستقرار، والأمن، وهناك منافسة الإنسان الآخر له، على ذلك: ثم ما يكون من قصور ظروف بيئته المادية عن تلبية هذه الحاجات.
فالحضارة تحقيق للراحة الإنسانية، في جوانبها المتعددة، المتقابلة المتكاملة، جسدية، وعقلية، ونفسية، وروحية، والسلوك الحضاري هو جواب الإنسان على التحدي الموجه له؛ تحدي الطبيعة المادية من جهة، وتحدي حاجاته هو من جهة أخرى، وتحدي الإنسان الآخر أو المجتمع من جهة ثالثة؛ ويأتي هذا الجواب الإنساني في شتى مجالات الآداب، والعلوم، والفنون. كما تشمل أيضا صور الإنتاج المادي من عمائر، وطرق، وجسور، وقناطر، وغيرها. ومن مجالات الحضارة العقائد والعوائد والأدب الشعبي، وأدب الخاصة، أو الأدب الرفيع، والنظم السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية كما لا يخرج عنها تخطيط المدن والعمارة ووسائل النقل، وأساليب المأكل والمشرب والزينة والترفيه.
والحضارة على أي حال، تمثل كل مظهر من مظاهر الإنتاج البشري، وغالبا ما يحدوها سلوك الإنسان وطرق معيشته وتفاعله مع البيئة. لذا كان من الطبيعي أن تختلف كل حضارة في مظاهرها عن الحضارات الأخرى، فلكل حضارة من الحضارات قديمها وحديثها مظاهر مميزة.
والعقل البشري استطاع بما اكتسب من خبرة ودربة، ومرانة، أن يصنف المعارف الإنسانية ، وأن يحكم ما بينها من وشائج، وأن يستفيد بما بينها من صلات وروابط. والنتائج العلمية متصل بعضها ببعض ويعتمد بعضها على بعض. والحضارات الإنسانية، ليست ملكا لأمة بعينها، ولا هي وقف على جماعة من الناس. لأنها صرح هائل قد أسهمت فيه كل أمة بنصيب. والحضارات الإنسانية قد تتشابه في مظهرها، وفي عناصرها، وفي أسلوبها، ولا سيما إذا تعايشت في وجهات متقاربة، والحضارات الإنسانية سلسلة محكمة متينة الحلقات، يؤثر سابقها في لاحقها، ويتأثر حاضرها بماضيها، وينتفع بعضها من بعض.
ولقد تواجدت حضارات مختلفة في الزمان والمكان، وانتفعت من بعضها انتفاعا أدى إلى تقدمها عند الكثير.
وتشكل الحضارة مجموعة الصفات، والمزايا المشتركة لمجتمع، أو لمجموعة من المجتمعات، وهذه الصفات تمثل مجموع الحلول التي أوجدتها أو تبنتها مجموعة اجتماعية ما، تندمج بشكل عام، في جو واسع جدًا، ومكان جغرافي طويل جدًا من التاريخ.
وتستخدم هذه الأساليب المادية، والتقنية، والمفاهيم لحل جميع المشاكل، التي يطرحها وجود هذه المجموعة: الاتصالات، وإصلاح وتوزيع الأراضي، واستثمار الثروات، وكذلك الحياة الاقتصادية، والفكرية، والسياسية، والدينية.