فهرس الكتاب

الصفحة 2647 من 3028

لماذا لا يكون الحكم إلا لله؟ لأن الله تعالى هو وحده خالق الكون وحاكمه قدرا، فلزم أن يكون هو وحده الذي له حق حكمه شرعا . (ألا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف:54 )

فكل من آمن بأن للكون خالقا واحدا ثم أبى أن يحتكم إلى شرعه، أو اعتقد أنه يجوز لأحد غيره أن يشرع لخلقه يكون قد نقض إيمانه به. فكيف إذا كان يدعي الإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا؟

(ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا. فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (النساء:60ـ70)

ذلك هو المزلق والضلال الأكبر المترتب على الاعتقاد بأن الحكم للشعب. لكنه مزلق تنتج عنه وتترتب عليه مزالق وضلالات أخرى عظيمة.

نريد قبل الحديث عن هذه المزالق الفرعية أن نقول إن هذا الضلال الأكبر وما ينتج عنه من ضلالات هو الذي يحرص على دعوتنا إليه وتزيينه لنا بعض أنصار العلمانية ودعاتها في الغرب والشرق.

إنه لمن السذاجة البالغة ما يظنه بعض الناس في العالم الإسلامي أن أمريكا وغيرها من دول الغرب إنما تنفق أموالها وتضحي بأولادها وتشن حروبها وتنشئ وتمول المؤسسات الداعية إلى الدمقراطية من أجل أن ينعم الناس في العالم العربي أو الإسلامي بانتخابات وأحزاب ومجالس تشريعية، وأجواء من حرية يختار فيها المواطنون ما يرونه صالحا ومناسبا لبلادهم.

فهذا أستاذ كبير بمعهد كاتو Cato بواشنطن يقول عن مهمة أمريكا في العراق في بداية محاولتهم لوضع دستور له:

"إن أعظم مهمة للمهتمين بمستقبل العراق هي أن يعملوا على أن يكون المجتمع العراقي أكثر تقديرا لأهمية الحرية (اللبرالية) في مجتمعه. إن الدمقراطية وسيلة لها قيمتها، لكنها وسيلة فقط. إن الهدف هو مجتمع حر". ولذلك يرى أنه حتى لو انتهى الأمر إلى أن يكون الدستور وثيقة ليبرالية في مجتمع غير ليبرالي، فلن يكون عديم الفائدة. إن مخططا كهذا سيقترح غايات مثالية، وسيضع أساسا قانونيا لأي إصلاح إذا ما تغيرت الثقافة السياسية.

وينقل في هذا الصدد عن جريدة نيو رببلك New Republic موافقا لها قولها:"إن كون 1800 من الجنود الأمريكان فقدوا أرواحهم لكي تستمع نساء العراق بخيرات القرون الوسطى الدينية أمر ينبغي أن يزعج إدارة بوش والشعب الأمريكي".

وكذلك قول كاتبة أخرى كانت أكثر صراحة Nina Shea:"إنه ينبغي أن لا يزهق دم أمريكي في سبيل إقامة حكم الشريعة".

هذه هي الأهداف الحقيقية من وراء الاهتمام بنشر الدمقراطية لكنهم قلما يصرحون بها، بل إن بعض مؤسساتهم الداعية إلى الدمقراطية في بلادنا لتظهر بمظهر المؤسسة العلمية الأكاديمية التي تسعى إلى بيان العلاقة الحميمة بين الإسلام والدمقراطية. من هذه المؤسسات واحدة تدعى مركز دراسة الإسلام والدمقراطية يشارك في الإشراف عليها مستشرقون من أمثال جون اسبوزيتو وعلماء من أمثال الدكتور طه جابر، الذي أصدر فتوى تحث المسلمين على إيتاء الزكاة لهذه المؤسسة، نشرتها على موقعها ثم قرأنا بعد ذلك في تقرير لمؤسسة راند شبه الرسمية أن هذا المركز هو أحد المؤسسات التي تدعمها الحكومة الأمريكية لنشر الدمقراطية في العالم الإسلامي. !!

نعود بعد ذلك إلى موضوعنا فنقول

المزلق الثاني

هو أن الاعتقاد بأن الحكم للشعب يؤدي لا محالة إلى الإيمان بالعلمانية، لأن العلمانية في كل صورها، وسواء كانت دمقراطية أو دكتاتورية، إنما تقوم على الاعتقاد بأن التشريع من حق البشر أفرادا كانوا أو جماعات. فالدمقراطية بمعنى حكم الشعب هي نظرية علمانية لا محالة.

المزلق الثالث

وهو لازم عن الثاني وهو أنه ما دام المواطنون كلهم متساوين في حقهم في التشريع، فيجب أن لا يكون هنالك فرق بين مؤمن وملحد، أو مسلم ونصراني، أو بين مستمسك بدينه ومرتد عنه.

المزلق الرابع

وهذا يؤدي بدوره إلى الاعتقاد بأن الرابطة الأساس بين الناس هي رابطة المواطنة لا رابطة الأخوة الإسلامية التي هي أساس كل الهدي الإسلامي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. لكن بعض الناس يحاولون أن يجمعوا بين هذين النقيضين كما الحال في دستور السودان الحالي الذي أفتي بعضهم بأنه دستور إسلامي.

المزلق الخامس

أن يسود الاعتقاد بنسبية المصلح والمفسد والنافع والضار. ذلك لأن الدمقراطية نظرية لا محتوى لها. إنها إنما تقرر أن الحكم للشعب ثم تترك لكل شعب أن يختار ما يراه مناسبا. لكن الشعوب تتعدد وتختلف مكانا وزمانا: فهذا شعب أمريكي بجانبه شعب مكسيكي ثم هنالك شعب انجليزي وآخر فرنسي. وهذا الشعب الأمريكي الآن كان شعبا آخر قبل عدد من السنين وشعبا ثالثا قبل عدد آخر، وفي كل مرة تتغير قيمه فيحرم ما كان قد أحل ويحل ما كان قد حرم، ويقدم ما كان قد أخر ويؤخر ما كان قد قدم، وكل هذه الأحكام دمقراطية ما دام قد توفر فيها شرط الإجراءات الدمقراطية. فاختطاف الأحرار واسترقاقهم، واحتلال البلاد واستعمارها وقتل أحرارها ونهب خيراتها كل هذا جائز ما دام قد جاء نتيجة قرارات توفر فيها شرط الإجراءات الدمقراطية.

يعبر عن هذا الاضطراب نكتة عن رجل انجليزي قيل إنه قرر أن يهاجر من بلده فلما سئل عن سبب قراره قال إن الشذود كان ممنوعا، ثم صار مسموحا به، فأنا أخشى أن يصير بعد قليل واجبا.

هذا عن الدمقراطية، أما في الإسلام فإننا عندما نقول إن الحكم إلا لله، نشير إلى حكم معين مسجل في مصادر معينة فيها تفصيل لأحكام معينة، وفيها قواعد عامة للحكم، وفيها أمر بالالتزام بمكارم الأخلاق، وحسن معاملة البشر وهكذا.

المزلق السادس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت