هو أن تصير الثقافة الغربية هي القدوة والمثال الذي يحتذى لا في مجال السياسة وحدها بل في كل مجالات الحياة. لأنك إذا آمنت مع الغربيين بأن الحكم للشعب، ثم اعتقدت بأن شعوبهم هي الشعوب الأكثر حضارة لأنها هي السابقة في مضمار الدمقراطية، كان من الطبيعي أن تعتقد أن ما اختاروه هو المناسب للعصر، وأن تريد لشعبك أن يتشبه بهم ويحذو حذوهم. ولذلك تجد أن كلام الكثيرين حتى ممن ينتسبون إلى الإسلاميين صار مجرد ترديد للعبارات والشعارات الغربية السياسية مترجمة إلى اللغة العربية: الدمقراطية، الشفافية، المرأة ، تداول السلطة، حتى صاروا كما قال الشاعر العربي
ألهت بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
المزلق السابع
هو أن تصير الدمقراطية هي معيار الشرعية الوحيد. فكل ما لا يأتي عن طريقها فهو غير شرعي وغير قانوني. هذا مع أن الغربيين لم يكنوا يبالون بالخروج عليها إذا ما تبين لهم أن المصلحة في مخالفتها. من ذلك ما ذكره فريد زكريا في كتابه مستقبل الحرية: قال:
كان الاسترقاق والتفرقة العنصرية متأصلتين في الجنوب الأمريكي عن طريق النظام الدمقراطي. ولذلك فإنه منذ قيام الجمهورية واجه الذين يبغضون الاسترقاق مشكلة هي أن غالبية المصوتين في الجنوب كانوا يدافعون عنه بحرارة بالغة. وفي النهاية مات لا لأنه خسر معركة التصويت ولكن لأن قوات الشمال سحقت الجنوب.
فالدمقراطية عند الغربيين ليست هي المعيار المطلق كما هو الحال عند المقلدين لهم في بلادنا. أذكر أن أحد الصحفيين عندنا كتب ذات مرة يقول إنه على الإسلاميين أن يقبلوا نتيجة صناديق الاقتراع حتى لو جاءت بالحزب الشيوعي. ذكرني كلامه بكلام للفيلسوف البريطاني برتراند رسل عندما سئل إلى حد هو مستعد لأن يعطي الحرية للحزب الشيوعي، فقال: ما لم يصل عن طريقها إلى الحكم. لأن الدمقراطية تكون حينئذ متناقضة إذ تمكن من الوصول إلى الحكم من يعمل على قتلها. أو كلاما هذه فحواه.
المزلق الثامن
هو الخضوع للرغبات التي تؤثر في الانتخابات حتى لو كانت رغبات منكرة وحتى لو كان أصحابها أقلية. هذه نتيجة حتمية لكل من يعتقد أن الحكم للشعب، ومن ثم يريد من الشعب أن ينتخبه. لقد رأينا هذا واقعا في البلاد الغربية، رأينا أناسا المعروف عنهم أنهم محافظون ينكرون أشياء مثل الشذوذ، لكن مرشحهم يخشى إن هو صرح بإنكاره لها أن يفقد بعض الأصوات التي قد تؤثر في نيتجة الانتخابات. إنه لا ينكرها إلا إذا رأي أن عدم الإنكار سيفقده أصواتا أكثر منها
لكن هذا يتنافي مع المهمة الكبرى للحكومة الإسلامية: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)
المزلق التاسع
سيقول بعض الناس ماذا نفعل إذن؟ إننا نعيش في مجتمع تعددي، والتعددية هي سمة المجتمعات الحديثة. ولا يمكن مع التعددية التزام بدين معين لأن معناه إقصاء الآخر، أو إكراهه على الالتزام بدين لا يؤمن به. إنه لا حل في مثل هذه الأحوال إلا الحل الذي اهتدت إليه البشرية، الحل الدمقراطي الذي لا يفرق بين المواطنين بسبب معتقداتهم وفلسفاتهم وقيمهم، كما لا يفرق بينهم بسبب ألوانهم وعناصرهم. إنه النظام الذي يعطي كل المواطنين ـ بغض النظر عن تلك الفروق بينهم ــ حقوقا سياسية متساوية.
صار هذا الكلام عند كثير من الناس كالبدهيات التي لا تقبل نقاشا، مع أنه في حقيقته من أبطل الباطل، فهو باطل نظريا ومستحيل التحقق عمليا.
وذلك أن كل نظام سياسي لا بد له من قوانين تحكم علاقات الناس وتصرفاتهم الشخصية والاجتماعية، السياسية والاقتصادية، فتقول إن هذا مباح وهذا محظور. ولا بد لهم من سياسات تنظم علاقاتهم الخارجية, وفلسافتهم التعمليمية والإعلامية، ومبادئهم القانونية وغير ذلك. فإذا كان المجتمع مكونا من مواطنين مختلفين اختلافات أساسية في نظرتهم إلى الحياة بسب دينهم أو فلسفاتهم وقيمهم، لزم أن يكونوا مختلفين في المبادئ التي تقوم عليها القوانين والسياسات. فكيف يمكن إذن أن تكون لهم جميعا حريات سياسية متساوية؟ كيف يمكن للاشتراكي أن يعمل باشتراكيته وللرأسمالي أن ينظم المجتمع على أساس رأسماليته؟
كيف يمكن أن تكون للعلماني ولصاحب الدين حريات متساوية في تنفيذ ما يؤمنون به؟ هذا أمر مستحيل. ولذلك فإن كل محاولات الوصول إلى حل له فشلت فشلا ذريعا. وقد كان من أشهرها وأكثرها عمقا محاولة جون رولز فيلسوف السياسة الأمريكي الذائع الصيت في البلاد الغربية.
إنه لا يمكن في الواقع إلا أن تكون هنالك نظرة واحدة من تلك النظرات المتعددة تبنى عليها قوانين البلاد وسياساتها. ثم يعطى الآخرون قدرا من الحرية يختلف باختلاف النظرة الحاكمة إليهم. لا يمكن أن تعطى نظراتهم وأديانهم وفلسفاتهم حقا مساويا للنظر أو الفلسفة أو الدين الحاكم. هذا أمر مستحيل.
`وهذا هو الواقع في المجتمعات الدمقراطية اللبرالية الغربية. إن فلسفة الحكم السائدة فيها فلسفة علمانية دمقراطية لبرالية، فهي تعطي غيرها من الفلسفات والنظرات من الحرية ما يتناسب معها ولا يهددها. نعم إنهم يسمحون لمخالفيهم من أصحاب الديانات والفلسفات الأخرى أن يدعو إلى ما يريدون (في حدود القانون) ، وأن ينافسوا في الانتخابات، بل يسمحون لهم أن يشاركوا في الحكم لكن بشرط أن يلتزموا بنظم الدولة العلمانية. فرئيس الدولة المسلم في بلد علماني ليس رئيسا له باعتباره مسلما، وإنما هو رئيس باعتباره مؤمنا بدين في الحدود التي تفرضها قوانين الدولة العلمانية التي تقرر بأن الدين في أساسه سلوك شخصي لا علاقة له بالحياة العامة التي تتولى الدولة العلمانية شؤؤونها.
ما لحل إذن وما العمل؟
إذا اخترنا أن ندخل في جحر الضب الذي دخل فيه الغربيون ومن تابعهم ، فلا حل لأننا سنفكر عندئذ كما يفكر سكان الجحر من الضببة . وأما إذا أردنا أن نكون أحرارا نفكر لأنفسنا فالحلول كثيرة بحمد الله تعالى.
يمكن مثلا أن نقول لأنفسنا هذه بلادنا وهؤلاء مواطنونا وهذه معتقداتهم وقيمهم المتعددة، وهذه ظروفنا الراهنة فلنفكر بغور في أحسن وضع يناسبنا.
أما نحن المواطنون المسلمون فسنقول لإخواننا المشاركين لنا في الوطن من غير المسلمين:
• أولا: إنه إذا كان الغرب قد اختار أن يحل مشكلة التعددية بجعل الدولة علمانية لا علاقة لها بالدين، وبجعل الدين أمرا خاصا لا علاقة له بالدولة، فإن ديننا لا يكون دينا إذا حشر في زاوية ضيقة لأنه ليس دينا بالمعنى الذي تريده العلمانية، وإنما هو منهاج شامل لحياة الناس كلها: معتقداتهم وعباداتهم وقيمهم الخلقية وعلاقاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهكذا.
• ثانيا: ولأن هذا الدين يقتضي منا أن لا نكون مجرد أفراد يذوبون في مجتمع ، بل يقتضي منا أن نتصرف باعتبارنا أمة، باعتبارنا جسدا واحدا. فكما أننا نجتمع في المسجد باعتبارنا مسلمين ونصلي وراء إمام مسلم، فكذلك نحن في السياسة نجتمع باعتبارنا مسلمين وراء إمام مسلم تسمى إمامته بالإماة العظمى، يلتزم في حكمه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونطيعه ما أطاع الله تعالى، ونتصرف في أمورنا بالشورى بيننا . إننا أمة مجتمعة متميزة لا أفراد مشتتة. ونحن نتصرف مع غيرنا من الدول والجماعات بهذا الاعتبار .