وأمرهم تعالى أمر إيجاب ببذل جهدهم المستطاع باتخاذ أسباب القوة التي تقيهم عدوان غيرهم من كفار الأرض، بحيث تجعل تلك القوة عدوهم الظاهر لهم والخفي عليهم يَرْهَبُهم ويجبن عن عدوانه عليهم، كما قال تعالى: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ) ) [الأنفال (60) ]
ولهذا وجدنا أعداء الإسلام يحاربون المسلمين حربا شعواء، إذا أدركوا أنهم يعدون تلك العدة المرهبة لهم، ليحولوا بينهم وبين امتلاكها، وليكون أولئك الأعداء هم الذين يرهبون المسلمين، بدلا من إرهاب المسلمين لهم الذي أمرهم به في كتابه.
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته التي يعين بعضها بعضا على إعداد العدة والإمداد بها واستعمالها في رفع راية الإسلام، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (انتضلوا واركبوا، وإن تنتضلوا أحب إلي، إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب فيه الخير، والمتنبل والرامي به) [الحاكم في المستدرك على الصحيحين 2/104دار الكتب العلمية بيروت]
[والانتضال: الرمي بالسلاح]
وفي حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، والممد به، وقال ارموا واركبوا ولَأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا..)
ولقد أثبت الواقع في جميع العصور أهمية الرمي الذي هو أحب إلى الرسول صلى من الركوب وما نشاهده في هذا العصر من خطر الرمي يؤكد ذلك تمام التأكيد)
و عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. [سنن الترمذي دار إحياء التراث العربي بيروت (4/174) وقال: أبو عيسى: وفي الباب عن كعب بن مرة وعمرو بن عبسة وعبد الله بن عمرو وهذا حديث حسن صحيح]
وأخبر صلى الله عليه وسلم أن في المسلمين كلهم خيرا ولكنه خص بالثناء القوي منهم، كما في حديث أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز...) [صحيح مسلم دار إحياء التراث العربي بيروت (4/2052) ]
إهمال الأمة غالب فروض الكفاية.
من جد وجد ومن عزَّ بزَّ.
وها هم أعداء الله الكفار قد استغلوا كل ما بلغته طاقتهم، ووصل إليه جهدهم من أسباب الرقي المادي، ولا زالوا في نشاط متواصل لاستغلال ما سخره الله للبشر.
وفضل الله الدنيوي مفتوح لكل مُجِدِ ٍّفي تحصيله لا فرق بين مسلم وكافر، ولما لم يقم المسلمون بذلك بجد صاروا من سقط المتاع، وذيلًا للأعداء مع قدرتهم التي عطلوها عمدا، ولو استغلوها لكانوا على غير هذا الوضع المزري.
قال سيد قطب رحمه الله:"ويحسن أن تعرف حدود التكليف بإعداد القوة فالنص يقول: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) )فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها، كذلك يشير النص إلى الغرض الأول من إعداد القوة: (( ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) )فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله، الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض، الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون ومَن وراءهم ممن لا يعرفونهم، والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة، ليكونوا مرهوبين في الأرض، ولتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله."
ولما كان إعداد القوة يقتضي أموالًا، وكان النظام الإسلامي يقوم على التكافل، فقد اقترنت الدعوة إلى الجهاد بالدعوة إلى إنفاق المال في سبيل الله: (( وما تنفقوا من شيء يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ). [في ظلال القرآن الكريم (10/1544) ] .
وقيام المسلمين بإنشاء مصانع جهادية وغيرها مما يسد حاجتهم ويقوي شوكتهم، هو فرض عليهم، ما كانوا قادرين على ذلك، لأنهم به يستغنون عن عدوهم، ويحفظون أسرارهم وأموالهم والخيرات التي أنعم الله بها عليهم في بلدانهم، ويطورون صناعاتهم على حسب الحاجة والمصلحة، ويأمنون من خيانة عدوهم الذي يشترون السلاح منه، لأنه غالبًا لا يبيعهم إلا السلاح الذي لا يصلح لدفع عدوانه عنهم، إذ يصنع لنفسه أسلحة متفوقة في الهجوم والدفاع، ويحظر على المسلمين الاطلاع على أعيانها وأسرار صناعتها، مع أنه - أي العدو - يعلم خفايا أسلحة المسلمين التي بأيديهم، لأنه هو الذي صنعها لهم، فيكون بذلك قادرًا على حرب المفاجأة، والمسلمون غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم بالأسلحة التي بين أيديهم، إضافة إلى احتكار عدوهم قطع الغيار التي يستطيع حظرها على المسلمين وقت ما يشاء، فيبقى سلاحهم شبيها بقمامات مكدسة، لا يستفيدون منها شيئا عند الحاجة.
وليس معنى هذا أن المسلمين لا يجوز لهم أن يشتروا نتاج مصانع السلاح وغيره من أعداء الله الكافرين، قبل أن يستغنوا بمصانعهم التي يقيمونها هم، بل يجب أن يشتروا منهم الأسلحة وغيرها، عندما لا يكونون قادرين على صنعها بأنفسهم، أو لا يجدونها عند بعضهم من المسلمين و لا غناء لهم عنها، ولكن يجب عليهم - أيضًا - أن يسعوا لإنشاء المصانع المستطاعة التي تحقق لهم ما أمرهم الله به من قوة.
وعندئذ يكونون ممتثلين أمر الله سبحانه في الإعداد، وعليهم أن يجتهدوا في اختيار الدول التي يشترون منها السلاح، وأن يتثبتوا لأنفسهم من جودته، وأن يكون سعره مناسبًا قدر الاستطاعة.
فقد يكون العدو الكافر الذي يبيع المسلمين أسلحته، ليس بينه وبين المسلمين حرب مباشرة، بل تكون الحرب بينهم وبين كافر آخر، ولكن هذا العدو المحارب يستمد مؤنه وذخائره من العدو الكافر الآخر الذي يبيع السلاح وغيره للمسلمين، فعلى المسلمين أن يجتهدوا في أن يكون السلاح الذي يشترونه منه، مثل السلاح الذي يبيعه لعدوهم المحارب، إذا لم يكن أقوى منه، وأن يستعملوا في سبيل الحصول على ذلك كل الوسائل المادية، التي تجبر البائع على الاستجابة لطلبهم، فإنه قد يكون في حاجة إلى شراء بعض المواد من المسلمين، وعليهم أن يستغلوا حاجته كما يستغل هو حاجتهم.
إن أعداء الإسلام حاقدون على هذا الدين وأهله حقدا متأصلا في نفوسهم، وهم يتمنون إن يزيلوا من الأرض دين الله الحق الذي لم يعد في أرض الله دين حق سواه وهو الإسلام
فهم لا يُخفُون حقدهم على المسلمين وعلى كل شعيرة من شعائرهم ، وبخاصة ما يربط بينهم رباطا قويا ويجمع كلمتهم ووجهتم لله رب العالمين، كالمساجد والقرآن، وقد قال بعضهم:"متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا مُحمد وكتابه".
وليس المقصود بمكة مبانيها، وإنما المقصود الكعبة التي يستقبلها المسلمون بصلاتهم في كل لحظة من لحظاتهم في كل أنحاء الأرض فرضًا أو نفلًا، والتي تهفو إليها قلوبهم من كل مكان، للصلاة في صحنها والطواف بها، وأداء مناسك الحج والعمرة فيها وحولها، وهي من أعظم العوامل الموحدة للمسلمين، وقد جمع هذا العدو ثلاثة أمور: