فهرس الكتاب

الصفحة 2119 من 3028

والعلمانية هي التي أعطت اليهود الحق في التعبير عن عقائدهم وأفكارهم ووجودهم، لكنها اليوم تنتفض لمنع المسلمين حقهم في إقامة فرائض دينهم؛ ذلك لأن العلمانية تستبطن التقاليد الكاثوليكية في فرض صيغة كلية ذات طابع شمولي على مواطنيها؛ هي أيديولوجية الدولة القومية الفرنسية. لكن هذه الدولة الفرنسية العلمانية ذات طابع كاثوليكي، فهي تحتفل بأعياد الميلاد وتمول المدارس الكنيسية وتدعم الكنيسة وتستخدمها كأداة أيضًا في السياسة الدولية.

إن بعض المحللين الفرنسيين تحدث عن أن العلمانية لم تكن سوى قلب للكاثوليكية لكنها استلهمت روحها، فهي استبدلت الحرية والإخاء والمساواة بـ الأب والابن والروح القدس. واستبدلت الطابع الشمولي للكنيسة بالطابع الشمولي للدولة القومية ـ التي يعبر بعضهم عنها بالدولة الإله -، واستبدلت طابع الإيمان بالله بالإيمان بالعقل والإنسان، وبقيت الروح العنصرية التي ترفض التسامح كامنة في جذورها، لكن التساؤل هو: لماذا ظلت العلمانية عاملًا محايدًا حتى إذا بلغ المسلمون في فرنسا ستة ملايين نسمة، فإذا بها تنصب لتفرض عليهم سلوكًا يتنافى مع حريتهم العقيدية؟ العلمانية الفرنسية اليوم هي تقليد لما يطلق عليه العلمانية النضالية Militant secularism (2) ، وهي في ذلك مثل العلمانية الكمالية في تركيا وعلمانية بورقيية في تونس؛ أي هي علمانية استبعادية في مواجهة الإسلام، وعلمانية متحررة مع المذاهب الأخرى.

وأخيرًا فإن ملامح الحرب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي تهدف بشكل وافر إلى تفكيك المحاضن الاجتماعية والعقيدية والحضارية التي حمت الإسلام منذ ظهوره، فلم يعد الأمر متصلًا بما تسميه السياسة «احتلال الدول» ، وإنما تغيير التركيبة الحضارية الشاملة لأمة الإسلام بدءًا من الإسلام نفسه وحتى اللحى (3) وأنماط اللبس والأكل.

ومجيء أمريكا إلى المنطقة هو بقصد الإشراف على تنفيذ ما يطلقون عليه «حرب الأفكار ومعارك العقول والعقائد» ، وهم في ذلك يريدون البدء بالدول التي تعتبر معاقل للإسلام، وبالمناطق التي حافظت على التقاليد الإسلامية الاجتماعية خاصة الحجاب.

وهذا واضح في منطقة الخليج والسعودية تحديدًا، فرغم اقتحام الحداثة الغربية فقد ظلت التقاليد الإسلامية حية فيما يتصل بنمط الملبس سواء بالنسبة للرجل والمرأة، والعلاقات الاجتماعية، وعدم الاختلاط، وهنا فإن أحد أهداف هذه الحرب تفكيك التواصل الاجتماعي مع نمط الحياة الإسلامية في هذه المجتمعات، وعلينا أن نأخذ العبرة من الدولة العثمانية التي أذعنت للضغوط الغربية في فرض أنماط جديدة للعلاقات داخلها وفق النمط الغربي، وهو ما أدى إلى تفكيك الدولة العثمانية فيما بعد، وأيضًا «البروسترويكا» و «الجلاسنوست» اللتان أطلقهما جورباتشوف قبل تفكك الاتحاد السوفييتي؛ هما اللتان أدتا إلى انهياره، ونحن فقط نأخذ العبرة، نحافظ على خصوصياتنا وننفتح للغة العصر وقواعده، دون إهدار لهذه الخصوصية إزاء خصائص العصر، في وسطية عاقلة ورزينة.

المعركة اليوم حول إعادة رسم وبناء أسس الحضارة الإسلامية وفق الرؤية الغربية التي لا تمتلك في الواقع رؤية، لكنها فقط تريد التفكيك لما نملكه نحن؛ لذا فالحرب شرسة وتحتاج إلى يقظة ووعي، الإصلاح والتجديد مطلوبان لكن وفق قواعدنا وليس وفق إملاءات الخارج وشروطه.. بالطبع الحرب لها رجال وأموال، وهذا ما تفعله أمريكا، فهي تنشئ شبكة من المثقفين الموالين لأفكارها، وهو ما يعرف باسم حزب أمريكا في العالم العربي والإسلامي، «وهي تنفق المال لإعادة تغيير المناهج ونظم التعليم وحرية الصحافة والنقابات والمرأة. وبعض هذه القضايا قد يكون مطلوبًا وحقيقيًا، ولكن بأيدينا نحن ووفق مقتضيات ومطالب مجتمعاتنا لا وفق إرادة الغرب، {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] ، {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120] ، والملة هنا معنى أوسع من مجرد الدين، فهي تعني نمط حياتهم، ورضا الأمريكان والغرب هو بداية الانهيار والسقوط، من هنا كان قولنا بأن العالم الإسلامي يمر بمرحلة مفصلية في تاريخه؛ فإما أن يصمد وإما أن يستبدله الله استبدالًا: {وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] .

إن بعض الناس يتحدث عن القتال هل هو فرض عين أو كفاية في حال دهم العدو ليلًا لبلاد المسلمين؟ لكن الدهم الثقافي لعقولنا ولأفكارنا ولضمائرنا ولإسلامنا هو الذي عناه الحديث: «وليس وراء ذلك أدنى حبة خردل من إيمان» ؛ أي أنه فرض لا يجوز الترخص فيه أو المهادنة أو السكوت؛ لأنه يقصد الإسلام نفسه، ويقصد الأمة نفسها، ويقصد الذكر نفسه.

وعلينا ـ نحن المسلمين ـ أن نتمسك بحبل الله ونستعين به، ونرابط على الأمانة التي كلفنا الله بها، {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، والدفع والدفاع والمرابطة هو سبيل هذه الأمة للبقاء.

{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] .

(1) توافرت النخب اليهودية على دراسة الحضارة الإسلامية بشكل معمق، واستلهمت أدواتها في تسويغ الأسطورة الصهيونية للاستيلاء على فلسطين، كما توافرت هذه النخب على دراسة خبرة الحروب الصليبية، ووظفت هذه الخبرة لصالح المشروع الصهيوني = في فلسطين؛ بحيث تجنب أسباب إخفاق الصليبيين في إقامة وجود دائم بفلسطين، وعلى سبيل المثال؛ فإن الهجرات اليهودية المتتالية على فلسطين منذ بداية القرن العشرين؛ كان القصد منها أن تكون نواة إقامة المشروع الصهيوني حين يحين وقت الإعلان عنه سياسيًا.

(1) منذ بدايات عصور التنوير في أوروبا وظهور المذهب البروتستانتي؛ فإن الوجود اليهودي داخل المؤسسات الدينية المسيحية قد تعاظم بشكل مرعب، واستطاع هذا الوجود أن يحول في بنية الأسس الفكرية والدينية للمذاهب المسيحية؛ بحيث لم تعد هذه المذاهب سوى رؤى يهودية عبر مذاهبها هذه، والمدهش أن اختراق المؤسسة الدينية الإسلامية لا يزال هدفًا يهوديًا.

(2) لم تتغير الروح الغربية التي استلهمت التقاليد اليونانية والرومانية والكنيسية من حيث علاقتها بالآخر، فهي تتكلم عن الحرية والمساواة والحقوق الإنسانية والمدنية لأهل حضارتهم، كما كان يفعل الرومان ـ أي مواطنو الحضارة الغربية. أما الآخرون الذين لا ينتمون إلى هذه الحضارة فهم الـ Hostes؛ أي الأعداء الذين يجب الحمل عليهم وإخضاعهم للدخول في السياق الحضاري الغربي، وأمريكا تستلهم ما كانت روما تسميه «السلام الروماني» لتفرض على العالم «السلام الأمريكيي» ؛ أي القيم الأمريكية المنتصرة التي لا يجوز لأحد أن يقف خارج مربعها American- box.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت