إننا بإزاء أمة لا تموت وحضارة كتب لها البقاء، لماذا؟ إن الإسلام هو الدين الحق، وكلمة الله الخاتمة للبشر، ولذا لا بد من الهجمة عليه، وإعادة تعريفه من جديد بحيث يتسق مع النصرانية، وبحيث لا يكون عاملًا مميزًا للأمة الإسلامية في مواجهة الاكتساح الغربي، لا بد من تفكيك عناصر التمسك في العالم الإسلامي وعلى رأسها الإسلام نفسه، بحيث حين يعرّف المسلم نفسه كمسلم لا يجد فرقًا بينه وبين النصراني أو البوذي أو الهندوسي... لم نسمع مثلًا عن حملة صليبية على اليهود لإعادة هندسة أفكارهم وعقائدهم لتتكيف مع الصليبية الجديدة؛ على الرغم من أن الأفكار اليهودية كلها قائمة على أسس أسطورية عنصرية، وهي ضاربة في أطناب التخلف والرجعية والوثنية.
دعك من الحديث المزيف لبوش أو غيره من العصابة التي تحكم البيت الأبيض عن الإسلام واحترامه، وانظر إلى حقيقة ما يحدث على الأرض... إن السياسة العملية هي تعبير كامل عن فكر طبقة الاستراتيجيين الجدد في دوائر البيت الأبيض، مثل «هنتنجتون، فوكوياما، نيكسون، وولفويتز، كارل روف، كوندوليزا.. وغيرهم كثيرون» ، وهذا الفكر في جوهره يقوم على صِدَام ماحق مع الحضارة الإسلامية للإجهاز عليها. والمراقب للعلاقة بين الحضارة الغربية وعالم الإسلام حتى قبل أحداث سبتمبر؛ سوف يلاحظ نمو موجة عدوان وتصعيد على العالم الإسلامي لإخضاعه وتركيعه، وسوف يلاحظ المراقب أيضًا أن الغرب في علاقته بمناطق الدنيا قاطبة يرتب استراتيجية وفق مصالحه ورؤى أهل هذه المناطق؛ فيما عدا عالمنا العربي والإسلامي، حيث يرتب أوراقه من منظور صهيوني صليبي، يأخذ العمق الحضاري في الصراع مع العالم الإسلامي في اعتباره. وفلسطين وكشمير والشيشان والهجرة والأقليات المسلمة والعلاقة بين الجنوب والشمال؛ كلها شاهدة على أنها حرب صليبية حقيقية.
وتمثل المنظومة العقيدية للإسلام موضوعًا للحرب الصليبية الجديدة على العالم الإسلامي، فهي منظومة من وجهة النظر الغربية تولد العداء للآخر غير المسلم خاصة، وهم يقصدون بذلك إلغاء صفة الكافر عن غير المسلم، وهم يقصدون إلغاء كل ما يتصل بمفهوم الولاء الإسلامي الذي يجعل من الأمة بنيانًا مرصوصًا، وهم يريدون إلغاء كل ما يتصل بمفهومات الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبراءة من الكفر وأهله؛ أي أن مفهوم الكوكبة والعولمة (globalization) هو بالأساس مفهوم ثقافي يريد أن يفرض على العالم المفهوم الديني الغربي الأمريكي فقط. وليس شرطًا أن يفرض عليك مفهومات صليبية كما يفعل المنصرون، وإنما يفكك (Dissolution) ما تتمسك أنت به، وهذه معركته الكبرى وأرض المواجهة الحقيقية والمدافعة بين الحق والباطل. وفي متابعة لعلاقة الدين بالدولة في أمريكا وجدت تعبيرًا أعتقد أنه صحيح، وهو ما يسمونه الدين المدني الأمريكي؛ أي أن أمريكا ليس لديها دين حقيقي منزل فيه شرائع ونظم كما هو في الإسلام، وإنما هو إطار تملؤه الأفكار والعادات والتقاليد التي لها طابع مدني ثابت.
ومن ثم فالأفكار الأمريكية عن الإصلاح الديمقراطي، وعن حرية المرأة، وعن تغيير مناهج التعليم، وعن الخطاب الديني الجديد، وعن الحجاب والاختلاط ونظم الأسرة والأحوال الشخصية؛ جميعها ذات طابع مدني تحمل روح الأفكار الأمريكية إلى العالم، أو رسالة أمريكا إلى العالم، وبناءً على ذلك؛ فإن أمريكا تريد تفكيك ما لديك لتتبع أنت ما عندها.
والسؤال هو: وما الذي يفيد أمريكا في أن تبقى المرأة محجبة أو أن تمارس تقدمها وتطورها وهي غير مختلطة بالرجال؟ وما الذي يجعل أمريكا تصر على إعادة بناء قوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي؟ لماذا تتدخل السياسة الأمريكية في العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة لدى المسلمين فقط؟ لماذا تمثل المرأة المسلمة محورًا للاهتمام الأمريكي؟
كل هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة يتبناها الفكر الغربي، وهي أنه لكي تغير أمة أو شعبًا فإن مفتاح تغييره هو المرأة (1) ، من هنا لاحظنا مؤتمرًا عالميًا عن المرأة في المغرب، وقانونًا جديدًا للأسرة هناك، وفي مصر مجلس قومي للمرأة، وفي السعودية ـ وهي المنطقة الأساسية الآن، المقصودة بالحملة الغربية على المستوى الفكري والحضاري ـ يراد للمرأة أن تخرج وتختلط وتتبرج كما فعلت في منتدى جدة الاقتصادي الأخير (2) ، ونحن بالطبع لسنا ضد المرأة، فهي أم وأخت وزوجة وبنت، ولكن أن تكون أداة العدو لتحطيم ثوابتنا وهز مجتمعاتنا، وهزيمة قيمنا وثوابتنا؛ فهذا ما نرفضه بقوة. لماذا يفرح الأمريكيون حين تعمل امرأة أفغانية مصففة للشعر، ولماذا يفرحون حين تشارك في فريق كرة القدم؛ هل المرأة العراقية أو الأفغانية تحررت بمجيء الاحتلال الأمريكي لبلادها؟
ولماذا يؤرخ العلمانيون لتحرير المرأة بنزع حجابها في مصر؟ هنا بعد رمزي، فحيث تتخلى المرأة المسلمة عما يربطها بدينها وإسلامها؛ فهذا معناه من المنظور الغربي الدخول إلى عالمي الحداثة والتحديث الغربيين. ألا يمكن للمرأة المسلمة أن تجمع بين الحداثة وبين الإسلام؟ أن تكون مسلمة وقادرة على التعامل مع أدوات العصر وتقنياته؟
لم تعد الحداثة عنوانًا لنبذ الدين، وإنما الحداثة في مفهومها التقدمي الغربي هي التي تجمع بين أصول الدين وبين حقائق العصر، ولمن لا يصدق؛ عليه أن يراجع كتاب المفكر الفرنسي الكبير «آلان تورين» (نقد الحداثة) (1) .
إننا في عالمنا العربي والإسلامي نشاهد عن كثب نكسة الغرب وحيرته بسبب فصامه الفكري مع دينه، وهو يريد أن يحقق عندنا هذا الفصام، فليحذر العقلاء وأولو الأمر، خاصة في السعودية، من وسوسة الغرب ونفثه ونفخه الماكر لفرض صيغة حداثية علينا ثبت إخفاقها عنده.
ثم تأتي معركة الحجاب في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهي معركة تكشف عن البعد الحضاري الصليبي العميق في العلمانية الفرنسية، فالعلمانية وفق التعريف العلمي لها هي فصل السياسة عن الدين بحيث لا يكون للدولة أي دور في الموقف الديني أو العقيدي لأفرادها، فالدولة العلمانية هي دولة محايدة تجاه الدين لا يهمها أن يكون لمواطنيها دين معين، كما لا يهمها أن يكونوا بلا دين أصلًا، كما لا يهمها أن يكونوا متدينين، فحرية العقيدة هي من الحريات المكفولة في كل الدساتير الغربية، وهي مأخوذة من أفكار الحق الطبيعي للبشر وهي أفكار ذات طابع مسيحي، وترفع فرنسا شعار الحرية والإخاء والمساواة، وترى أنها مدينة النور والعقل والحرية، لكن ما الذي حدث لها اليوم حتى تضيق بالنساء المسلمات المحجبات في المدارس والمؤسسات العامة وفي الشوارع؟ ما الذي جعل فرنسا التي اتسعت شوارعها وآفاقها لكل شارد مطرود ومتسكع ومتحرر وملحد وهيبز أن تضيق على الحجاب الإسلامي؟
إن المتابع لخطب شيراك الذي أعلن فيه تأييده لمشروع القانون الذي يقضي بمنع الحجاب الإسلامي في المدارس والمؤسسات العامة بدعوى حماية العلمانية؛ يكتشف الوجه الاستبدادي للعلمانية، إن العلمانية هي أيديولوجية الدولة القومية التي تعطي الحرية للبروتستانت لكنها لا تمنحها للمسلمين، فالعلمانية هي التي أعطت البروتستانت الحق في التعبير عن عقائدهم في مواجهة الشمولية الكاثوليكية.