هو أَنْ يُطلب من الكفار والمشركين الدخول في الإسلام، فإن هم استجابوا لذلك فبها ونَعِمَت، وإلاّ فُرضَت الجزية على أهل الكتاب وقُوتِل المشركون والكتابيون إذا مَنعوا الجزية أو من حال دون دخولهم في الإسلام، ومن أهل العلم من أجاز أخذ الجزية من المشركين - مالك وغيره - لقوله صلى الله عليه وسلم عن المجوس: (سُنّوا بهم سنّة أهل الكتاب) [رواه مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس] ، وهذا النوع هو أُسُّ الجهاد وأصله، وهو رهبانية الإسلام، وهو الذي فرضه الله وكتبه على المسلمين، قال تعالى: (( كُتِب عليكم القتال وهو كره لكم ) ) [سورة التوبة: 36] ، وقال: (( انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) ) [سورة التوبة: 41] .
وهذا الجهاد هو الذي مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب إلى أَنْ دانَ له أهلُها، وخاضَه خلفاؤه الراشدون، والسلف الصالحون حتى فتحوا كلَّ البلاد، وأنقذوا العباد، ونشروا العدل والرحمة، وقَضَوا على دول الكفر والشرك والعناد، ولله درّ القائد الملهم والأمير المفخّم عقبة بن نافع الفِهرِي القرشي، فاتح بلاد المغرب وشمال أفريقيّة، عندما اصطدم بالمحيط الأطلسي قال، كما حكى ابن الأثير عنه:"يا ربّ لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك. ثم قال: اللهم اشهد أَني قد بلغتُ الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله حتى لا يعبد أحدٌ من دونك. ثم وقف ساعة ثم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم ففعلوا، فقال، اللهم إني لم أَخرج بطرًا ولا أشرًا، وإنك لتعلم إنمّا نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تُعْبَد ولا يُشرَك بك شيء. اللهم إنّا معانِدون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام. ثم انصرف راجعًا" [الكامل لابن الأثير: 3/308-309] .
حكمه: فرض كفاية.
وهذا هو النوع الذي يجب أَنْ تتوفر فيه الشروط الآتية:
1-لا يكون إلاّ تحت راية أَمير ذي شوكة، برًا كان أو فاجرًا.
2-أن تسبقه دعوة إلى الإسلام بالحسنى.
3-أَنْ يُعلَن.
4-لا بد فيه من رضى الوالدين إن كانا حيين أو أحدهما.
5-وهو المنهي فيه عن قتل النساء والأطفال والشيوخ إلاّ أن يكونوا مقاتلين.
ثانيًا: جهاد الدفاع:
أما جهاد الدفاع فهو الجهاد الذي يدفع به المسلمون عن دينهم وديارهم ولا يشترط فيه ما اشترط في جهاد الطلب، وإنما يجب على المسلمين أنْ يدافعوا عن دينهم وديارهم وأموالهم وذراريهم وإخوانهم بما يرد كيد الكافرين والظالمين عنهم.
حكمه: الوجوب على من استولى الكفار والمشركون على ديارهم، فإن لم يتمكنوا فيجب على من يليهم من المسلمين وهكذا حتى يستوعب كل المسلمين.
قال تعالى: (( أُذِنَ للذين يقاتلون بأنهم ظُلِموا وإِنَّ الله على نصرهم لقدير ) ) [سورة الحج: 39] ، وقال: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) ) [سورة البقرة: 190] ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم حاثًا وحاضًا على الدفاع عن الدين والعرض والنفس والمال: (ومن قُتِل دون عرضه فهو شهيد، ومن قُتِل دون ماله فهو شهيد...) [متفق عليه] .
ولعلّ ما يمارسُهُ بعضُ المسلمين ـ المستضعفين المضطهدين في دينهم، المُشَرَّدين من أوطانهم، المنبوذين من إِخوانهم، ضدّ من بدأهم بالظلم والعدوان ومارس معهم كل أنواع الضّغط والكبت والإرهاب، وحَرَّض عليهم من يسومهم سوء العذاب، من عمليات فدائيّة وردّ على بعض ما يُواجَهون به ـ لعلّه يكون من هذا القبيل، إذا صلحت النيّة، وصدُقت الطويّة، سيما وأنّ جل الكفار اليوم محاربون للإسلام، ومنابذون لجنده العاملين، ودعاته المخلصين، مضيّقون على من يعمل لنُصْرة هذا الدين بأي وسيلة من الوسائل، وتحت رايات عدّة، ومجالاتٍ شتّى، وشعاراتٍ مختلفة منها ما هو معلنٌ ومنها ما هو مخفيٌ.
لقد أضحَت محاربة الكفّار للإسلام والمسلمين سافرةً واضحةً على الرغم من تسميتهم للأمور بغير أسمائها من باب التمويه على السُذّج والمغفّلين تحت ستار الأصولية حينًا والإرهاب حينًا، وإقامة العدل والحريّة بين الأنام كما أُعلنَ الآن لمشروعيّة هذه الحرب الصليبية الكبرى التي تَدور رحاها على شعبٍ فقيرٍ أعزل، وفئةٍ مستضعفة، وجماعةٍ مفترى عليها، من غير دليل ولا برهان، ولا حجّة ولا بيان، بقيادة قوى الظلم والطغيان والمستكبرين من الإنجليز والأمريكان ومن ساندهم وشايعهم من ملل الكفر والمنتسبين إلى الإسلام.
وما جرى ويجري في أرض المسرى فلسطين ليس ببعيد عنا، حيث تمارس إِسرائيلُ، ذلك المولود غير الشرعي الذي أوجده الإنجليز وتولّى رعايته والإنفاق عليه الأمريكان، أبشع أنواع الظلم والإرهاب والطغيان حيث حَرَمَت المسلمين من أراضيهم وديارهم وأوطانهم، وشَرَّدت الكثير منهم إلى بقاع الدنيا ومن بَقِيَ منهم يعيش في ذلّ وهوانٍ وتضييقٍ وتخريبٍ وتعذيبٍ وتقتيلٍ.
ولعلّ قيام هؤلاء وأولئك من المستضعفين من المسلمين - المواجَهين بشرِّ أنواع التشريد والتضييق والتعذيب بالانتقام من الكفّار - لها في قصّة أبي بصير رضي الله عنه سابقة ومستند، خاصّة وقد خذلهم قومُهم، وأسلموهم إلى عدوهم، ورفعوا أيديهم عنهم، ومنعوا مساعداتهم منهم الحسّيّة والمعنويّة، بل صالحوا عدوّهم وَطَبَّعوا علاقاتهم معه، وفتحوا أَسواقهم لبضائعهم ومنتجاتهم من غير خوف ولا وجل ولا حياء ولا خجل من الله ولا من الناس، فأصبحوا متنكّبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ) [رواه البخاري] ، ومخالفين قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله) [متفق عليه] ومُبَشَّرين بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أُذلَّ عندَه مؤمنٌ فلم ينصره وهو قادر على أن ينصُره أذلّه الله عزّ وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة) [رواه أحمد] .
فالحذر الحذر أخي المسلم في كل مكان من خذلان إخوانك المسلمين في أفغانستان وفي فلسطين وفي كشمير وفي الشيشان، وفي غيرها من البلدان، لاسيما أولئك الذين تَربطهم بك عَلائق بجانب الدين، فهلاّ حرَّكَتْكَ حميّتك حين ضعُفَ إيمانك، وذهبت غيرتك، كما كان يفعل الجاهليون الأوائل!
فكيف يهنأ لك عيشٌ، أم كيف تطمئنّ لك نفس أيها الأفغاني والباكستاني وأنت ترى وتشاهد أمريكا وبريطانيا ومن والاهما من قوى الاستكبار وهما تعيثان في الأرض وتقصفان تلك الديار الإسلاميّة، وتقتلان الشيوخ الرّكّع، والأطفال الرّضّع، والبهائم الرّتّع، ولا تحرك ساكنًا كأنّ الأمر لا يعنيك من قريب ولا من بعيد؟!
استمع ـ أخي الكريم! ـ إلى ما قاله سعيد بن عامر رضي الله عنه وهو يفنِّد المآخذ التي رفعها ضدَّه أهل حمص حين كان عامِلَها من قِبَل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال لهم عمر: (ما تشكون منه؟ قالوا: يغنط الغنطة- وهي شدّة الكرب والجهد - بين الأيّام. قال: - أي عمر - ما يقولون؟ قال: شَهِدْتُ مصرع خُبيب ابن عَدي الأنصاري بمكّة وقد بَضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعِ فقالوا: أتحبّ أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أُحبّ أَني في أهلي وولدي، وأنّ محمدًا شِيك بشوكة. ثم نادى: يا محمد. فما ذكرت ذلك اليوم وتَرْكي نُصرَته في تلك الحال وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم إلاّ ظننت أنّ الله عزّ وجلّ لا يغفر لي بذلك الذنب أبدًا فتصيبني تلك الغنطة. فقال عمر: الحمد لله الذي لم يُضلّ فِراستي) [صفة الصفوة لابن الجوزي: 1/666] .