فهرس الكتاب

الصفحة 2685 من 3028

إذا كان هذا الوعيد السابق فيمن خذل أخاه المسلم فكيف بمن أعان الكفار على المسلمين، ودلّهم على عوراتهم، وقاتل في صفّ الكفار واحتمى بحماهم؟

لقد أجمع أهل العلم على كفر صاحب هذا الصنيع، ويكفي أن نأتي بفتوى إمامين من أئمة المسلمين هما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال في اختياراته:"من جمز إلى معسكر التتار ولحق بهم ارتدّ" [الدرر الكامنة: 8/338] ، والشيخ عبد العزيز بن باز طيّب الله ثراه حيث قال:"موالاة الكفار التي يكفر بها من والاهم هي محبّتهم ونصرتهم على المسلمين" [الفتوى رقم 6901 للجنة الدائمة برئاسته رحمه الله، الفتاوى النجدية: 1/443] .

فاحذر ـ أخي المسلم! ـ أن تبيع آخرتك بدنياك، أو بدنيا غيرك فتكون من الخاسرين، ولله در القائل:

عجبتُ لمبتاعِ الضلالةِ بالهدى =ولَلْمُشتري دنياه بالدِّين أَعجبُ

وأَعجب من هذين من باعَ دينه =بدنيا سواه فهو من ذين أعجب

وقصَّة أبي بصير رضي الله عنه كما حكاها البخاري في صحيحه وأهل السنن وابن عبد البرّ في الاستيعاب واللفظ له عن ابن شهاب قال:"رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية عام الحديبية إلى المدينة، فجاءه أبو بصير - رجل من قريش - وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فقالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: العهد الذي جعلتَ لنا أَنْ تردَّ إلينا كلَّ من جاءك مسلمًا. فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين، فخرجا حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيّدًا يا فلان، فاستلّه الآخر، فقال: أجل والله إنّه لجيّد، لقد جرّبتُ به ثم جرّبت. فقال له أبو بصير: أَرني أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه به حتى بَرَد، وفَرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه: (لقد رأى هذا ذُعرًاَ) ، فلمّا انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتل واللهِ صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله، قَدْ والله وَفَتْ ذِمّتك، وقد رددتني إليهم، فأنجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويلُ أُمِّهِ مِسْعَر حرب ـ أي موقدها ـ لو كان معه أحد) فلمّا سمع ذلك علم أنّه سيرده إليهم، فخرج حتى أتي سيف البحر قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، وجعل لا يخرج رجل من قريش قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فوالله ما يسمعون بعِير خرجت لقريش إلا اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحمَ، إلا أَرسَل إليهم فمن أتاك منهم فهو آمن". قال ابن عبد البر: وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر عن أبي بصير بأَتمِّ ألفاظ وأكمل سياق. قال:"وكان أبو بصير يصلي لأصحابه، وكان يكثر من قول الله العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصره. فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمهم. واجتمع إلى أبي جندل ناس مِنْ بني غفار وأَسلم وجُهينة وطوائف مِنَ العرب، حتى بلغوا ثلاثمائة وهم مسلمون، فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عيرٌ لقريش إلاّ أخذوها وقتلوا أصحابها" [الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر: 4/176-177] .

يستفاد من هذه القصّة ومن إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم له ما يأتي:

1-أنّه يجوز لمنْ ظُلِمَ أن يَنتقم مِنْ ظالمه الكافر بأيّ وسيلةٍ تيسّرت له، سيما لو كان الكافر محاربًا، إن شاء.

2-أنّ ما يفعله هذا المظلوم المنتقم المُتَعدَّى عليه لا تلحق جريرته بالمسلمين الآخرين، وهم غير مسؤولين ولا مؤاخذين بما يفعل لا شرعًا ولا قانونًا.

3-لا ينبغي أنْ يؤخذ بريء بجريرة غيره.

4-أنّ الخدعة في الحرب جائزة سواء كانت دفاعية أو لطلب الكفار الدخول في الإسلام.

5-أنّ ما كان يمارسه أبو بصير وأبو جندل ومَن كان معهم مِن المسلمين مِن اعتراض قوافل الكفار والإغارة عليها شبيه بما يمارسه بعض المستضعفين المظلومين انتقامًا لأنفسهم من الكفار المحاربين لهم اليوم.

6-أنّ ما كان يمارسه أبو بصير وأبو جندل ومَن معهما مِن سلطات شبيه بما تمارسه أو يمكن أن تمارسه أي دولة من الدويلات المسلمة المُعتَدى عليها أو أي جماعة مِن الجماعات.

7-أنّ المدافعة بين الكفرِ والإيمان، والشرِّ والخير مطلوبة شرعًا لمن قدر عليها (( ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهُدّمَت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) ) [سورة الحج: 40] .

8-أنّ عمل المنتقم لا ينضبط ولهذا خُتم قوله تعالى (( ذلك ومَن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بُغي عليه لينصرنّه الله ) )بقوله عزّ وجلّ (( إنّ الله عفوٌ غفور ) ) [سورة الحج: 60] .

9-في مثل هذه الظروف لا بدّ من الموازنة بين المفاسد والمصالح، فدرء المفاسد مقدّم على جلب المنافع، وهذه مِن الأمور التقديرية التي يختلف فيها البشر.

10-أن ما قام به أبو بصير وأبو جندل ومن معهما من المسلمين لا يساوي شيئًا مما لقيه المسلمون الأوائل من كفار قريش، فقد أُخرجوا وأُوذوا وقُتِلوا وتُعُدِّيَ عليهم من غير سبب إلاّ أن قالوا ربنا الله، كذلك الأمر بالنسبة لما يمارسه بعض المستضعفين من المسلمين اليوم من الممارسات الانتقامية فإنها لا تساوي مِعشار ما فعله الكفار ضد الأبرياء والعزّل من المسلمين، فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

العمليات الفدائية الاستشهادية:

العمليات الفدائية التي يقوم بها بعض المستضعفين من المسلمين انتقامًا من الكافرين، وكرد فعلٍ لما لحقهم من الإرهاب والتي دُفِعوا إليها دفعًا، وأُكرِهوا على ارتكابها إكراهًا.

إذا لم يكن إلاّ الأسنّة مركبًا =فما حيلة المضطر إلاّ ركوبها

اختلف العلماء في هذا العصر في جوازها وعدم جوازها، فمنهم من أجازها ومنهم من منع منها وحرّمها، والذي يترجّح لدي فيها والله أعلم أنها لا تجوز ولا تحلّ إلاّ في حال الحرب دفاعيةً كانت أم هجومية - كما هو الحال اليوم في فلسطين وأفغانستان والشيشان وكشمير، أمّا في غير الحرب والجهاد فلا تحلّ أبدًا، فقد حرّم الله قتل النفس إلاّ بالحق ولو كانت نفس الإنسان لأنها ملك لله عزّ وجلّ -، إذا صدرت هذه العمليات من مسلم يبتغي بذلك وجه الله ولإعلاء كلمته.

والأدلة على ذلك كثيرة، نذكر منها ما يسره الله، فنقول:

1-أوضَح الأدلة على جواز تلك العمليات الفدائية لاقتحام صفوف العدو، ولقذفِ الرعب في قلوبهم؛ ما فعله أبو دجانة رضي الله عنه في حرب عدوّ الله مسيلمة الكذّاب لعنه الله، حيث قال أبو دجانة لبعض أصحابه"ألقوني على التِرَسة حتى أشغلهم"، والترسة جمع ترس وهو ما ترّست به بنو حنيفة خلف أبواب الحديقة ليحولوا دون فتحها ويمنعوا المسلمين من دخولها.

قال الكلاعي في حروب الرِّدَّة:"فكانوا قد أغلقوا الحديقة، فأخذوه، فألقوه على التِرَسة حتى وقع في الحديقة وهو يقول:"لا ينجيكم منّا الفرار!"فضاربهم حتى فتحها، ودخلنا عليه مقتولًا رحمه الله! وقد رُويَ أنّ البراء بن مالك هو المُرْمَى به في الحديقة، والأوّل أثبت" [حروب الردة للكلاعي: 137] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت