2-ومنها ما قاله أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه في فتح القسطنطينيّة لمن اعترض على مَن ألقى بنفسه في صفّ الروم. خَرَّجَ أبو داود والترمذي من طريق أَسلَم أبي عمران قال:"غزونا مِن المدينة نريد القسطنطينيّة وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحَمَل رجل على العدو فقال الناس: مَهْ، مَهْ، لا إله إلاّ الله، يُلقِي بيديه إلى التهلكة. قال أبو أيوب: إنماّ نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيَّه، وأظهر الإسلام، قلنا: هَلُمَّ نُقيم في أموالنا ونُصلحها ونَدَع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دُفِن بالقسطنطينيّة"وإسناده صحيح [أبو داود: 2512، الترمذي: 2976] .
قُلتُ: فما أكثرَ الذين ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة اليومَ بسبب حبّ الدنيا والانغماس فيها؟!
3-ومِن الأدلّة على جواز ذلك أيضًا، ما فعله ذلكم الغلام مع الملك الغَشُوم كما في قصّة أصحاب الأخدود التي قصّها الله علينا في سورة البروج، حيث تسبب في قتل نفسه ودلّ الملك على كيفيّة قتله بعد أنْ عجز الملك عن ذلك ومارس كل أسباب القتل ولكنها لم تُجْدِ. فأمره الغلام أنْ يأخذ سهمًا مِن كنانته ويضربه في صدغه ويقول عند الضرب: بسم الله ربّ الغلام. فما كان إلا أنْ حدث ما كان يخشاه الملك ويريده الغلام، حيث قال جميع الحضور والشهود: آمنّا برب الغُلام [القصة في صحيح مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه] .
فقد تسبب هذا الغلام في قتل نفسه، بل كأنّه باشر ذلك وجاد بروحه بُغْيةَ أنْ يهدي الله بذلك غيره تصديقًا لقوله عزّ وجلّ (( ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعًا ) ) [سورة المائدة: 32] ، فهو قد قتل نفسه ولكنّه أحيا غيره وأحيا نفسه كذلك مِن غير أنْ يشعر به أحد (( ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يُرزَقون ) ) [سورة آل عمران: 169] .
وقد نال بهذا العمل خيري الدنيا والآخرة.
4-ومن الأدلّة على جواز ذلك أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يحبّهم الله) ، وذكر منهم: (الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يُقتل أو يفتح لأصحابه) [رواه أحمد في المسند] .
5-ومن الأدلّة أيضًا حمْل سلمة بن الأكوع، والأخرم الأسدي، وأبي قتادة وحدهم رضي الله عنهم على عُيينة بن حصن ومَن معه وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم وأقرّهم على ذلك بقوله (خير رجالتنا سلمة) [متفق عليه] .
هذا بجانب أدلّة أخرى وبجانب أنّ الضرورات تبيح المحظورات فما يُباح للمستضعف والمظلوم المتعدى عليه لا يُباح لغيره.
هذا ما ظهر لنا والعلمُ عندَ مَن لا تخفى عليه خافية، وأهمّ مِن هذا وذاك دراسة الأسباب التي أدّت إلى ذلك بشجاعة وصراحة، بدَلًا مِن التعامل بردود الأفعال، والصّلف والكبر الذي لا يزيد الأمر إلا تعقيدًا، ويُوَسّع دائرته، ويزيد من أنصار مقاومة الظّلم والعدوان الذي يمارسه الكفّار ومَن والاهم ضد المسلمين المستضعفين العُزّّل، والذي يُسمّونه بغير اسمه إرهابًا وهو في الحقيقة انتقامٌ لما أصاب إخوانهم المسلمين في بقاع العالم المختلفة.
فمن المغالطات العجيبة الغريبة في هذا العصر تسمية الأشياء بغير أسمائها تمويهًا وخداعًا، والكيل بمكاييل عِدّة حسب ما يراه راعي الكفرِ والكافرين، أمريكا ومَن والاها، فهي لا تُرِي العالمَ إلاّ ما ترى وما تهديهم بذلك إلاّ سبيل الرشاد كما تَزْعُم، كما قال الطاغية فرعون بعد أن سام شعبه سوء العذاب: (( أليس لي ملك مصر ) ) [سورة الزخرف: 51] إذن (( ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرشاد ) ) [سورة غافر: 29] .
فأسلحة الدمار الشامل حلال على أمريكا وربيبتها إسرائيل امتلاكُها وحَرام على مَن سواهم ذلك.
وضرب العُزّل الأبرياء مِن الشيوخ والأطفال والنساء حلال على أمريكا أنْ تقذفهم بصواريخها، وترميهم بآلاتها الحربية،وتجرّب فيهم أسلحتها، وحرام أبلغ الحُرمة أنْ يُدمَّر مبنى التجارة العالمية في واشنطن، وحلال على إسرائيل أنْ تستولي على الأرض وتقتُل وتُشرّد، وحرام على مَن يقاومها لينال جزءًا مِن حقّه المسلوب، وهكذا أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسُنّة بدعةً والبدعة سُنّةً، والجهاد والمقاومة إرهابًا، والإرهاب عندما تمارسه أمريكا وذيلها بريطانيا ومَن شاكلهما شرعيّة دوليّة وعملًا صالحًا متقبلًا، ومقاومة روسيا عندما غزت باكستان جهادًا لأنه كان يخدم مصالح أمريكا وبِرضىً منها، ولذلك وقف جلُّ حكّام المسلمين معهم وساندوهم، أما غزو أمريكا لأفغانستان وحربها لها فهو بغرض محاربة الإرهاب والقضاء عليه فهو عمل مباركٌ من قِبَل حكّام المسلمين.
وأيضًا مما يجب الاهتمام به والتيقظ له الآثار المترتّبة والمتوقعة مِن هذه الفتنة، فكما كان لفتنة حرب الخليج آثارها وسلبياتها سيكون كذلك لهذه الحرب التي أشعلتها أمريكا ومَن والاها والتي تولّت كِبْرها، آثار خطيرة، وتَبِعات جسيمة، نسأل الله أنْ يكفي المسلمين شرّها، وأن يبوء الكفّار بوزرها.
ثالثًا: جهاد النفس:
ما هي الأسباب التي أدّت أو قد تؤدي إلى مثل هذه العمليات الفدائية الانتقامية التي يقوم بها بعض المستضعفين؟
مما لا شكّ فيه أن لهذه الأعمال الانتقامية - التي اتخذتها أمريكا ذريعةً وسببًا ليكون لها موطن قدم في وسط آسيا لتُحكِم سيطرتها وهيمنتها وتؤدي دور الشرطي في كل العالم أسبابًا كثيرة، وعوامل عديدة، منها ما يتعلّق برُعاة المسلمين، ومنها ما يخُصّ الرعيّة؛ متمثلةً في المستشارين، والعلماء، وقادة الحركات الإسلامية، وفي العامّة، وسأُوْجِزُ القول في مسؤولية كلٍّ مِن هؤلاء وتقصيره حتى يتسنّى لنا إدراك ما يمكنُ إدراكه، ومعالجة ما يمكنُ معالجته، ومواجهة ما يمكنُ مواجهته، بصدق وإخلاصٍ وشجاعةٍ وتجرّدٍ، ولا ينبغي لنا أنْ يكون مثلنا مثل النعامة عندما تخفي رأسها في التراب وتظنّ أنها قد تحصّنت مِن صائدها؛ فالمسؤولية جسيمة والعاقبة - والله - وخيمة، والرجوع إلى الحق فضيلة.
ولكل شريحة في المجتمع نصيبٌ فيما حدث وواجبٌ ينبغي أنْ تقوم به، وبذلك نجاهد أنفسنا ونربّيها ونقاوم شهواتنا ونعالج أخطاءنا ونصحح مسيرتنا، فقد جاء في الأثر عن بعض السلف وهو إسماعيل بن عُلَيّة رحمه الله وقد عادوا من جهاد الكفار أنه قال:"عدنا مِن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، وأياًّ كان الجهاد الأكبر، جهاد النفس أم جهاد الكفار والمنافقين فهو أمرٌ ضروريٌ يُتَوصَّل به إلى الجهاد الواجب وهو جهاد الكفار والمنافقين.
فبمجاهدة النفس والشيطان والهوى نتغلّب على كثير مِن الصعاب، ونزيل كثيرًا مِن الحواجز الوهمية وغير الوهمية.
حكمه: الوجوب، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب.
مسؤولية حكّام المسلمين:
مسؤولية حكام المسلمين عامة في الأحداث الانتقامية الأخيرة وغيرها التي يمارسها بعض المضطهدين والمستضعفين انتقامًا لأنفسهم ولإخوانهم المسلمين تتمثل في الآتي:
1-موالاة جلّ حكام المسلمين للكفار أكثر من موالاتهم لكثير من إخوانهم المسلمين.
2-عدم تطبيق جلّهم لشرع الله، بل استبدلوا به القوانين الوضعيّة الوضيعة.
3-التضييق على هذه الفئة من الشباب ومحاربتها تحت شعار:"محاربة الإرهاب"تنفيذًا لمخططات الكفار ومجاراةً لما يشيعه ويروّجه الإعلام الموجّه في كثير من ديار الإسلام بينما يغضون الطرف عن المتحلّلين من الخلق والدين تمشيًا مع ما سنّه عبد الناصر عليه من الله ما يستحقه.