فهرس الكتاب

الصفحة 818 من 3028

في المرحلة الأولي من بناء العلوم الإسلامية كانت الحضارة العربية الإسلامية تتأسس بناء على حركة الحضارة ذاتها في الكون وفي الآفاق، وبمنهج عالم عادل جعل الكثير من المستشرقين يتحدثون عن عظمة الحضارة العربية الإسلامية على الحضارات الأخرى وعلى رأسها الحضارة الغربية ذاتها، ويكفي أن نتذكر كتاب سجريد هونكه"شمس الإسلام تسطع علي الغرب"، ولدينا اليوم ثروة هائلة من التراث الذي تركه أسلافنا جعل من يطلقون على أنفسهم"الحداثيين المعاصرين"ينتحلونه لأنفسهم، ويتمحكون به، ويصدرون كتابًا بعنوان"آباء الحداثة العربية"رغم أنه من الناحية المنهجية لم تكن الحداثة وما بعدها ومناهجها المعقدة وغير المفهومة مثل البنيوية والتفكيكية قد ظهرت بعد، وهي كلها مناهج غربية أقرب للطابع العبثي الذي يبدد البيان والفكر واللغة ويحيرها أكثر مما يساعدها على البيان والوضوح.

وعرفت الحضارة العربية الإسلامية جدالًا ومدافعة مع الحضارات الأخرى اليونانية بفلسفتها والرومانية بقوانينها وعقلانيتها، وطوعت هذه الحضارات لقيم الحضارة العربية الإسلامية، فلم تكن حضارتنا أبدًا مغلقة على نفسها، ولكنها كانت تحافظ دائمًا على خصوصيتها وعلى قيمها، وكانت على وعي دائمًا بأن البعد القيمي والحضاري لابد من الحفاظ عليه، فهناك ثقافة وإطار مرجعي كان المبدع المسلم يضعه في اعتباره.

وقد لاحظت وأنا في تركيا أن عظمة الفن العثماني في البناء والخطوط والنقش كانت تضع في اعتبارها القيم الإسلامية المتصلة باحترام القيم الإسلامية التي لا تضاهي الخالق، فلم نجد رسومًا تنزع لمضاهاة خلق الله، ولم ألاحظ أي فنون متصلة برسم ذوي الأرواح.

ولم نجد شاعرًا يثير الغرائز والفتنة بين المسلمين بقصد إشاعة الفاحشة بين الذين آمنوا، ذلك لأن الفن والإبداع مقصده الأساسي هو تحقيق المتعة والإحساس بالجمال وفق المرجعية الإسلامية، نعم عرفت بعض مراحل الرخاوة الحضارية من يحاول الخروج على هذه القواعد؛ لكن لم يكن ينظر لهذه المحاولات بالاحترام أو التقدير أو النظر إليها علي أنها فن وإبداع، وعامة من قام بهذا هم من الشعراء الذين لا وزن لهم كتعبير عن الروح الإسلامية.

الاختراق الثقافي البريطاني

لكنه مع التحول الحضاري لصالح الحضارة الغربية بدأ مثقفو الأمة يتحولون منبهرين تجاه الفنون والأفكار وطرق الكتابة الغربية، وكان يمكن أن يكون ذلك إضافة للحضارة العربية الإسلامية لو كان من يفعل ذلك على وعي بأنه يتعلم لكي يوظف علمه من أجل نهضة أمته وفنونها وأفكارها وطرق حياتها، لكن النخبة -للأسف- هي التي اندفعت كالحمر المستنفرة التي فرت من قسورة!، تلهث وتجري وراء كل ما يقذفه الغرب إلينا دون نظر أو روية، أو بذل أي جهد في محاولة تنقية وتطويع ما يؤخذ من الغرب لقيمنا وعلومنا وحضارتنا، وهنا وجدنا المثقف المرتبط بالأجنبي المحتل، ووجدنا المثقف المرتبط بمصالح الغرب وقيمه وأفكاره، ووجدنا عملاءً وليسوا مفكرين أو مبدعين.

ففي مصر علي سبيل المثال وجدنا اللورد كرومر والمستشرق بلنت والقس دانلوب يقيمون علاقات مصالح ومصادقة مع النخبة المثقفة في هذا الوقت، ويدعمونها لنشر الثقافة البريطانية والغربية التي تضعف الثقافة الإسلامية، وخذ عندك مثلًا من قالوا عنه أستاذ الجيل (لطفي السيد) ، وعميد الأدب العربي (طه حسين) ، و (قاسم أمين) ، و (سعد زغلول) ، و (فتحي زغلول) ، و (عبد العزيز فهمي) ؛ بل والشيخ (محمد عبده) نفسه!، كل هؤلاء كانت مواقفهم الفكرية والسياسية تعبر عن الاختراق الغربي لفكرنا الثقافي، وبدلًا من مجيء الخبراء الأجانب من الخارج والأفكار من الخارج؛ فإنها أصبحت تزرع في أرضنا، ويروج لها أبناء جلدتنا!، وهذا حدث في مصر والشام و حتى في قلب الدولة العثمانية ذاتها، وهو ما قاد إلي تحللها وانهيارها، وعرفت الساحة الثقافية معارك هائلة فكرية وسياسية وحضارية، وقف فيها من تساندهم سلطة المحتل بسيفه وذهبه في مواجهة عامة الأمة ومثقفيها الحقيقيين؛ ففي معركة كتاب الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة لطه حسين وقف ضده الرافعي والغمراوي والشيخ الخضر حسين وأمين الخولي وغيرهم كثير، وفي المعركة السياسية كان من يطلق عليهم"حزب الأمة"في مواجهة الحزب الوطني، وكان الحديث عن وطنية مصطفي كامل تطرفًا ، وظهر في فترة الاستعمار البريطاني من اعتدى على المقدسات مدعومًا بذهب المستعمر وسيفه، مثل (سلامة موسى) في كتابه"اليوم والغد"، ومثل جريدة"المقتطف"و"المقطم"ومجلة"الهلال"التي كان يصدرها (جورجي زيدان) .

المسألة الأساسية هنا هي ارتباط من أطلقوا علي أنفسهم"مثقفين ومفكرين"بالمستعمر، ورغم تقديرنا لجهود الوفد على المستوي الوطني والسياسي؛ لكن حزب الوفد كان يتبنى القيم والأفكار العلمانية، وهذا هو المأزق الحقيقي- في تقديرنا- لحركات الاستقلال؛ فهي مرتبطة ثقافيًا وفكريًا بالمستعمر، لكنها تريد أن تتحرر منه سياسيًا دون وعي بأن الحرية الحقيقة لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق الفكر والثقافة والحضارة.

صار الإبداع أداة لترويج فكر المستعمر وهز ثوابت الأمة الثقافية والحضارية فوجدنا من يهجم على القرآن والسنة واللغة العربية والمرأة المسلمة والأزهر والتعليم الديني، وصارت الجرأة والوقاحة عنوانًا للمثقف المرتبط بالمستعمر البريطاني.

الغزو الثقافي الأمريكي الجديد

كما كان الأمر في عهد المستعمر البريطاني وجدنا المثقفين العرب والمصريين الذين حاولوا الوقوف في وجه الهجمة الإمبريالية الغربية يتجهون للإمبريالية السوفيتية. قد يقول البعض: لم يكن السوفييت استعمارًا، لكنه كان كذلك وبالذات على المستوي الحضاري والثقافي وتبنى جيل كامل من المثقفين المصريين الأفكار الشيوعية التي تنظر لقيم الأمة ودينها باحتقار، ولم نر من حاول التحرر من السيطرة الإمبريالية الغربية عن طريق الإحياء الثقافي العربي أو الإسلامي، واكتشف تيار هام من هذا الجيل حجم الكارثة التي وقع فيها؛ فترك الفكر الشيوعي وأقبل ينهل من فيض حضارته.

ومع الاكتساح الأمريكي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وجدنا انقلابًا كاملًا في التوجهات الثقافية لمثقفي اليسار؛ فإذا بهم يرتبطون بالمراكز الإمبريالية الغربية عبر المنظمات الحقوقية التي تستلهم القيم الثقافية الغربية، ووجدنا نفس المشهد القديم للورد كرومر يتكرر مع سفراء أمريكا الذين حرصوا علي تكوين نخب جديدة مرتبطة بالقبلة الأمريكية والبوصلة الفكرية الأمريكية، وتكفي الإشارة لما كتبه ناقد عربي له قيمته ووزنه مثل (عبد العزيز حمودة) في كتابيه"المرايا المحدبة والمقعرة"عن ارتباط التوجهات الإبداعية العربية والمدارس الحداثية بقيم الغرب؛ بل وتشجيع المخابرات الأمريكية لهذه التوجهات ودعمها، واستند الرجل في هذا لكتاب المؤلفة البريطانية الجادة (فرانسيس سوندرز) وكتابها القنبلة"من يدفع أجر العازف .. الحرب الباردة الثقافية"، وعلاقة المخابرات الأمريكية بالفنون والثقافة والآداب، وهي تعتمد على مثل إنجليزي يقول (من يدفع أجر العازف يختر اللحن) ، وهكذا فالملحنين الذين يلحنون علي النغمات الأمريكية من المثقفين العرب اليوم لابد وأنهم قد دفع لهم أجر عزفهم!. وتوجد حالات واضحة في هذا المجال لا داعي لذكرها حيث يستخدم التمويل الأجنبي للأبحاث والأفكار والمؤسسات ستارًا لذلك كما ذكرت المؤلفة البريطانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت