وليست المساجد في الإسلام دورًا للتعزير والضرب وأماكن لتأديب المخطئين فهذا ما لا يليق بها ولا يتفق مع دورها العظيم في حياة المجتمع ،فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها ) ) [رواه أحمد وأبو داود] .
انظر أخي المسلم ،إلى روعة الإسلام وجماله وكماله حينما جعل المساجد أماكن لتربية النفوس وتهذيبها ،وتربيتها التربية الإسلامية الفاضلة ،فإذا ما عصت هذه النفوس وتمردت ،فإن علاجها وتأديبها يكون خارج المسجد.
أيها المسلمون: قد تستغربون أنه من المسجد تصرف الأدوية الربانية، وفي المسجد يعالج المرضى. لم تعرف صيدليات العالم ولا عيادات التاريخ الإنساني ،أعظم من صيدلية محمد صلى الله عليه وسلم وعيادته المباركة ،التي كتب عليها: وإذا مرضت فهو يشفين وما ذلك إلا لأن دواءها وعلاجها يصل مباشرة إلى القلوب فيشفيها بإذن الله ،وكثيرًا ما كان المرضى يأتون إلى مسجده صلى الله عليه وسلم ، الذي كان مكانًا لعلاج المرضى ،وبخاصة في أيام الحروب والمعارك ،فعن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها قالت: أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق في الأكحل - وهو عرق في وسط الذراع - فضرب النبي صلى الله عليه وسلم له خيمة في المسجد ليعوده من قريب متفق عليه.
وهذا يعني أن الجريح أو المريض له أن يُعالج في المسجد لمصلحة ،وليكون قريبًا للإمام وأعيان الناس ،فيتمكنون من عيادته إذا اقتضى الحال ذلك ،ثم لأن المسجد مكان عبادة وبقعة طاهرة تحف بها الملائكة وتغشاها السكينة، فيكون المريض بذلك قريبًا من دعوات إخوانه المؤمنين ،فلعل ذلك يكون سببًا في شفائه وبرئه وسرعة استعادته لعافيته ،وهذا سبب خفي قل من يتنبه له أو يتذكره ومن هنا نرى أن المسجد مكان طبيعي لعلاج مرض القلوب إضافة إلى أنه من أحسن البقاع وأفضلها في علاج الأبدان بإذن الله سبحانه.
معاشر المسلمين: ليس لأحد أن يسيء الأدب في بيت الله عز وجل ،فبيته سبحانه وتعالى محترم ومقدم ،وينبغي أن تكون له مكانة سامية ومنزلة رفيعة ،وحصانة شرعية تليق به.
وكيف لا يكون كذلك وهو بيت مالك الملك وملك الملوك؟. إن ملوك الدنيا لا يرضون ولا يسمحون أن يساء الأدب في بلاطهم وقصورهم وبيوتهم ،ولا أن ترفع الأصوات بحضرتهم ،ولا أن يكثر الضجيج في أماكن تواجدهم ،ولا أن تحدث حركة أو لفظه غير مسؤولة عندهم.
فالله سبحانه وتعالى أولى بالاحترام والتعظيم والتقديس ،في بيوته جل شأنه.
فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها ) ) [متفق عليه] .
فلا يحق للمسلم أن يبزق في المسجد ولا أن يتفل فيه ولا أن يضع فيه أذىً أو قذرًا ،أو قصاصات الأوراق وفضلات الأشياء ،فإن هذا السلوك ينبئ عن قلة إيمان من فعل ذلك ،وعن سوء أدبه ، وعن عدم احترامه لبيت الله عز وجل.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه
واتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وجعلنا من رواد المساجد المحافظين عليها قولًا وعملًا وأن يتوفانا وهو راض عنا وأن يقبضنا على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
الخطبة الثانية
أما بعد:
اعلموا رحمني الله وإياكم بأن الناس شغلوا في زماننا هذا بزخرفة المساجد على حساب رسالتها الخالدة ،وأثرها في الأجيال ،إن المسجد يا عباد الله يعمل على تخريج جيل مسلم على درجة عالية من الوعي والمعرفة ،وهذا هو رسالة المسجد، فالمفسر للقرآن يخرج من المسجد.
والمحدث يتخرج من المسجد ،والفقيه والخطيب يخطب في المسجد ،والمفتي متخرج من المسجد ،والمجاهد ينطلق من المسجد ،والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والحاكم بشرع الله والمنفذ لأوامر الله والداعي إلى سنة رسول الله وغيرهم كثير، كلهم من المسجد.
ولذلك فإن المسجد في عصور السلف الصالح خرَّج قادة الدنيا ،وأصحاب التأثير في تاريخ الإنسان.
فالخلفاء الراشدون من أين تخرجوا؟ وأين تعلموا ،أعظم رجال الأمة بعد نبيها ،والعبادلة الأربعة والقادة الفاتحون والشهداء في سبيل الله ،جميعهم كانوا من المهاجرين والأنصار ،وغيرهم من الثلة الخيرة ،والنخبة المصطفاة الذين كانوا عبادًا للحجر ،فأصبحوا قادة وزعماء للبشر، وكانوا رعاة للغنم فأصبحوا سادة للأمم ،جميعهم تخرجوا من مسجد المدينة ،مسجد محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي كان مبنيًا من الطين ومسقوفاٌ بجريد النخل.
فماذا فعلت المساجد التي بنيت بأرقى الخامات؟ وصممت على أحدث التصميمات؟
ماذا فعلت في حياة الجيل وهي التي خططت تخطيطًا بديعًا؟
هل أثرت في مسيرة هذه الأمة ،وهي تواجه الآن تحديات من أصعب ما تمر به الأمة؟
هل أخرجت لنا وللأمة المسلمة علمًا نافعًا وعملًا صالحًا؟
هل وقفت مساجدنا سدًا منيعًا أمام حملات الغزو الفكري والعسكري والتيارات الهدامة؟
هل بعثت الفكر من مرقده وأيقظته من سباته؟
هل شحذت الهمم وحركت المشاعر في النفوس؟
هل بثت النور في قارات الأرض؟
وهل عبرت منها الكلمات الصادقة عبر المحيطات؟ الجواب معروف.
لا وألف لا ،وذلك أمر يؤسف له أما لماذا؟ فلأننا عمرنا مساجدنا بالبناء ولم نعمرها بالذكر والدعاء ،ولأننا عمرناها بالزخارف والألوان ولم نعمرها بتلاوة القرآن، ولأننا لم نتعامل مع المسجد كما تعامل معه أولئك ،عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد ) ).
هذا هو الواقع الحالي في تعاملنا اليوم مع المساجد التي أصبحت مظاهر ،وأصبحت آيات في حسن البناء وروعة الهندسة ،تعجب الناظرين وتسرهم في مظهرها إلا أنها في مخبرها وجوهرها لم تؤد رسالة ولم تحقق هدفًا.فعقم جيلها ،وسكتت ألسنتها، واختفت حلقاتها ،وانطفأ نورها ،وانعدم دورها.
المباهاة في عمارة المساجد من علامات الساعة ،لأن الأمة إذا ضعفت ومرضت ،واهتمت بالمظهر على حساب الجوهر ،وبالقشور على حساب اللباب، والكم على حساب الكيف ،أفل نجمها ودب فيها الوهن والخور والعجز.
كان المسجد في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم مكانًا لإعلان الحرب على أعداء الله ،ولرفع راية الجهاد ولاستنهاض الهمم ،وايقاظ المشاعر وتحريك القلوب وبث الحماس في النفوس ،كان عليه الصلاة والسلام يعلن البيانات العسكرية من على منبره مباشرة ،ولذلك كانت انتصاراتنا الهائلة في بدر وأحد والفتح واليرموك وحطين وعين جالوت وغيرها من معارك الإسلام الفاصلة.
كان عليه الصلاة والسلام يعلن حالة الحرب من المسجد ،وكان يتكلم عن ملابسات المعركة وعن ظروفها وعن الشهداء وأحوالهم في المسجد ،فقد أعلن عن معركة أحد يوم الجمعة وبدأت أحداثها يوم السبت ،وتكلم عليه الصلاة والسلام عن الشهداء في مؤتة من على منبره وكأنه يعيش أحداثها لحظة بلحظة ،وكان يرسل السرايا والغزوات من المسجد ،فتكون الغزوة مباركة والسير مباركًا والنتيجة مباركة.
أيها المسلمون: نختم هذه الخطبة بذكر بعض الملاحظات:
الأولى: يتساهل بعض المصلين هداهم الله بتحية المسجد ،عن أبي قتادة رضي الله عنه قال - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) ).