فهرس الكتاب

الصفحة 2882 من 3028

والفكرة الكامنة وراء ذلك هو أنه كلما تضاءلت مساحة الإدراك المعرفي لدى الأطفال والنشء والشباب في مراحل التعليم المختلفة بقضايا أمتهم والتحديات الخارجية التي تواجهها، وتعرضت ذاكرتهم للطمس، وأهيل التراب على القيادات التاريخية للأمة التي لعبت دورًا مهمًا في استنهاض روح التحدي والكبرياء كلما سهل على الجماعة الحاكمة المرتبطة بدورها بمصالح أمريكا وتوجهاتها ـ اتخاذ قراراتهم بما يتفق مع تكوينهم الفكري وخريطتهم العقلية وانصياعًا لمصالحهم الاقتصادية، وانسجامًا مع انتماءاتهم الاجتماعية حتى لو تعارضت هذه القرارات على المدى البعيد والمتوسط مع مصالح شعوبهم وأوطانهم، وما يجري هنا يجري هناك في تونس والجزائر والمغرب وغيرها.

ومن هنا تمت أكبر عملية اختراق أمريكي لمجتمع من المجتمعات من خلال التنشئة الفكرية والعسكرية للقيادات في البرامج التدريبية، وربط مصالح رجال الأعمال بالمصالح الأمريكية من خلال مراكز البحث المنتشرة سواء منها الأمريكية الصريحة أو الوطنية التي تعمل بنظام المقاولات؛ مما أحدث خللًا في النظام الإعلامي والتعليمي والقانوني، وانعكس هذا بدوره على التركيبة النفسية والفكرية لقطاعات واسعة من السكان وبخاصة الشباب والأطفال بفعل الأثر السلبي المضاعف لوسائل الإعلام في عصر السلام (1) .

لقد ظل التحدي الخارجي يستنفر الطاقات حينًا في ظل غياب السياسات الناجحة، أما في ظل استراتيجية السلام فهل يمكن لنا أن نتخيل ما يحدث في ظل عوامل النحت والتعرية والتذويب والتفكيك العقدي والأخلاقي والسلوكي والعلمي في سائر البلاد الإسلامية؟ يقول الجنرال ألبرت ميرجلان خبير الاستراتيجية الدولية: «هناك حاليًا اتجاه يسرف في الحكم على الدول وفقًا لعدد دباباتها وطائراتها المقاتلة! والواقع أن كَمَّ وكيف التعليم هو الذي سيكون العامل الأكثر حسمًا في المستقبل القريب... فليست المعركة العسكرية هي التي ستحدد مصير الأمم الصغيرة والمتوسطة في العالم، بل إن الذي سيفعل ذلك هو النمو الفكري والفني الدائم للأفراد» (2) فحرب العقول والهوية والذاكرة الجماعية للشعوب هي الآن جوهر مفاهيم الاستعمار الحديث.

وقد نجحت الولايات المتحدة في تخريب مناهج التعليم كاملة وكذلك سياساته عبر العديد من مؤسساتها التي منها هيئة المعونة الأمريكية، ومجلس الرئاسة المصري الأمريكي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنح بعض المؤسسات الأمريكية، بالإضافة إلى الخبراء الأمريكيين في مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية. وهنا لا يمكن تصور مجرد تعليم وطني فضلًا عن قومي أو إسلامي، وإنما تعليم أقرب ما يكون إلى وجهة النظر الصهيونية، وإن القارئ لا يمكن أن يدرك أبعاد المؤامرة في مجال التعليم إلا إذا أحاط بالسمات الغالبة على المنهج، والتي بها يمكن فهم مداخله ومخارجه وأهدافه ومقاصده.

سمات المنهج التعليمي:

أولًا: التبعية:

وإن كانت التبعية واضحة وضوح الشمس ولا تخلو تصريحات المسؤولين من اعتراف بها، وأمامنا شهادتان من شخصيتين لهما ثقلهما في المجال الفكري والثقافي والتعليمي، ولهما مصداقيتهما عند كثير من العلمانيين:

الأول: هو ساطع الحصري الذي يقول: «إن البلاد العربية تسير في شؤون التعليم على طرق تخالف المبدأ؛ فبعضها يتجه نحو النظم الفرنسية وحدها، وبعضها يسير نحو النظم الإنجليزية، وبعضها يستلهم النظم الأمريكية، ويقوم جدال وكفاح بين مؤيدي هذه الأنظمة بصورة علنية أو خفية. وعلى العرب أن يعدلوا عن الاستمرار في هذه الخطط» (1) .

والثاني: هو: د. محمد حسين هيكل؛ حيث يقول: «إن وزارة المعارف تخضع اليوم وأمس وستخضع غدًا وبعد غد إلى أن يتاح لنا النصر السياسي (!) الذي نعمل له إلى السياسة التي كانت تخضع لها أيام كان مستر دنلوب مستشارًا مع فوارق في عدد المدارس وعدد الأساتذة وعدد التلاميذ أكثر منها في أساليب التعليم وفي الغاية منه، إن سياسة التعليم في وزارة المعارف ستظل اليوم وغدًا كما كانت بالأمس وقبل الأمس خاضعة للسياسة الغربية والحضارة الغربية في روحها. فالحضارة الغربية بالمعنى الذي يفهمه مفكرو الغرب ومؤسسو هذه الحضارة الحقيقيون حضارة علمية بالمعنى المفهوم من العلم في العصر الحاضر؛ فالمعنى الذي يفهمه ساسة الغرب الذين ينشرون لواء هذه الحضارة في ربوع العالم حضارة استعمارية عدوة للعلم على خط مستقيم وهي كذلك حيثما ذهبت؛ حاربَت العلم وحاولت حصره في طبقة وفي حدود ضيقة لتتخذ من هذه الطبقة بطانة لها لتروج الاستعمار، أي لاستغلال البلاد التي تنزل فيها استغلالًا ماديًا يذهب كل خيرها للغرب صاحب هذه الحضارة الاستعمارية.

ولذلك وضعت هذه الحضارة يدها على وزارات المعارف حيثما ذهبت، وعملت دائبة على إفساد هذه المقومات النفسية والخلقية والقومية مكتفية بطائفة من المعلومات العملية التي تحتاج إليها إدارة الحكم (2) .

وواضح أن كلا الرجلين ذا نزعة قومية لا تخلو من ثقافة غربية؛ إلا أن قولهما يعبر عن واقع لمسوه عن قرب واطلاع على مسالكه وأغواره وما ستروه أكثر مما كشفوه.

ويشهد رجل من تلك البطانة التي اتخذها الغرب ـ طه حسين ـ الذي استمات من أجل ما أراده الغرب: «والتعليم عندنا على النحو الأوروبي الخالص ما في ذلك شك ولا نزاع.. فقد وضعنا في رؤوس أبنائنا عقولًا أوروبية في جوهرها وطبيعتها، وفي مذاهب تفكيرها وأنحاء حكمها على الأشياء» (3) .

وهو يعلنها بلا مواربة أن الهدف من اتباع السياسات الغربية ليس مجرد تبعية النظام وتشابه السياسات وإنما هو أكثر من ذلك: تغريب الأبناء وأَوْرَبة عقولهم.

وإذا كانت السمة الأولى لهذا التعليم المعلمن هي التبعية (1) فإن ما يمكن أن ينطبق عليه من عيوب وما يستخرج منه من قبائح إنما هو ناشئ من هذه العلة والله ـ تعالى ـ يقول: {يّا أّيٍَهّا پَّذٌينّ آمّنٍوا لا تّتَّخٌذٍوا بٌطّانّةْ مٌَن دٍونٌكٍمً لا يّأًلٍونّكٍمً خّبّالاْ $ّدٍَوا مّا عّنٌتٍَمً قّدً بّدّتٌ پًبّغًضّاءٍ مٌنً أّفًوّاهٌهٌمً $ّمّا تٍخًفٌي صٍدٍورٍهٍمً أّكًبّرٍ قّدً بّيَّنَّا لّكٍمٍ الآيّاتٌ إن كٍنتٍمً تّعًقٌلٍونّ > هّا أّنتٍمً أٍوًلاءٌ تٍحٌبٍَونّهٍمً $ّلا يٍحٌبٍَونّكٍمً $ّتٍؤًمٌنٍونّ بٌالًكٌتّابٌ كٍلٌَهٌ $ّإذّا لّقٍوكٍمً قّالٍوا آمّنَّا $ّإذّا خّلّوًا عّضٍَوا عّلّيًكٍمٍ الأّنّامٌلّ مٌنّ پًغّيًظٌ قٍلً مٍوتٍوا بٌغّيًظٌكٍمً إنَّ پلَّهّ عّلٌيمِ بٌذّاتٌ پصٍَدٍورٌ} [آل عمران: 118، 119] .

ثانيًا: غياب الخطط الذاتية:

إن العلمانية في بلادنا قد عقمت أن تكون لها أيديولوجية مستقلة ترسم أهدافها وفق الظروف العربية، ومن ثم رأوا أن تغريب المجتمع أولًا يساعدها في تطبيق الحلول الغربية ذاتها، ويعني ذلك أن الشعوب لا تدري من أين أتت، ولا إلى أين تسير!

وإذا كان التعليم العلماني يقصر مفهوم التربية والتعليم على المرحلة السنِّية بين (5 ـ 23) عامًا، وهي بلا شك أخطر المراحل السنِّية التي يشكل المنتمون إليها في المجتمع الكتلة الحيوية الحرجة، هذه الكتلة تتحرك تعليميًا وسط أضلاع مثلث يتمثل في:

-فلسفة النظام والتعليم التربوي (دالَّة الهدف) .

-سياسة تعليمية تجسد هذه الفلسفة (دالة السياسات) .

-وسائل تنفيذ هذه السياسات ماليًا وإداريًا (دالَّة الإجراءات) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت