فهرس الكتاب

الصفحة 2883 من 3028

والواقعة المادية التي تشهد بغياب جل ذلك بالإضافة إلى شهادات أخرى وما يشهد به الواقع ـ تتمثل في الدراسات التي أعدت لمؤتمر عمان في الفترة 12ـ 15مايو 1990م، والمناقشات التي جرت في اجتماعاته والتي تشهد بأن أنظمة التعليم في البلاد العربية تعاني من عدم بلورة أهداف التعليم وسياساته، ومن جمود مناهجه، وأن هذه الأنظمة أصبحت تسهم في ضمور الطاقات المجتمعية، بحيث أضحى التعليم عبئًا على التنمية، وغدا مشدودًا إما إلى الافتتان بالماضي وتقليد نماذجه وحلوله، وإما محاكيًا لنماذج الحضارة الغربية التي قد لا تتلاءم في توجهاتها، ومدى فاعليتها مع التطوير الحقيقي لأوضاع المجتمع العربي؛ وتلك هي الأوصاف التي وسم بها التعليم في (استراتيجية تطوير التعليم في مصر) التي صدرت في عام 1987م؛ ففي هذه الاستراتيجية تقرأ عن:

-غياب الاستراتيجية التي تبلور سياسة التعليم، وغياب الطابع القومي في التعليم، وعدم إسهام من يعنيهم الأمر في تطويره! ص 22 ـ 23.

-عجز التعليم عن مواجهة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والعملية والتقنية.. وغض الطرف عن ذاتية المجتمع المصري وهويته الثقافية ص 24.

-ضعف الثقة في التعليم، وعدم مساندته معنويًا، وعدم التنسيق بين التعليم النظامي، وتناقض ما تبثه وسائل الإعلام مع ما تقدمه المدارس ص 25 ـ 26.

-إن مناهج التعليم صلبة لا تلبي مطالب المتعلم أو البيئة، ويغلب عليها الطابع النظري، وتهمل ميول الأفراد ومواهبهم، وإن الامتحانات تدرب على التذكر ولا تستثمر إمكانات العقل الإنساني ص 27 ـ 29 (1) .

إن غياب مثل هذه الفلسفة الاجتماعية العامة للمجتمع يعتبر نقطة الضعف الأساسية في جهود تطوير التعليم؛ لأنه بغيابها تدفع أن تحل الرؤية «الخاصة» والاجتهاد «الفردي» لكل من فلسفة التعليم وسياساته في كل فترة، مما يعرض هذه الرؤية الخاصة إلى التبدل كلما اتفقت فترة لتحل أخرى (2) .

هذه الأزمة منشؤها غياب العقيدة والانتماء لها عن عقل وحس صانع القرار، والإنسان بلا عقيدة إنسان بلا هدف إلا إذا اعتبر أن نزواته وحاجاته الشخصية أهدافًا.

وحين تغيب العقيدة في ظل ظروف محايدة فإنه لا بد من أمرين:

الأول: أن يتحكم الثابت في المتغير في إطار اتخاذ الواقع مدخلًا لعملية التنظير ـ وهو ما حدث ويحدث بالفعل. وهو في هذا متغير بطبعه مما يجعل منه نموذجًا متبدلًا لا نستطيع أن نميز فيه بين متطلبات الواقع الحقيقية وضروراته وبين تلك المتوهمة، بل إنه ابتداءًا لا يمكن التمييز بينهما وبين الأهواء المتعارضة والمصالح الأنانية المتناقضة لجماعة كانت أو لفرد أو لفئات مختلفة؛ وهذا التبدل ينعكس على نسق أساسي من المفاهيم يعززه النسق المعرفي والأيديولوجي الوضعي بحيث تعد مفاهيم يمكن تغييرها وتبديلها بلا ضابط ولا رابط.

والثاني: هو عبث الأفراد وتدخلهم في عملية التأسيس بما يحقق مصالحهم الآنية والأنانية؛ فهو إذن تأسيس لا يتمتع بالثبات، كما لا يتمتع بالاستقلال. هذا في وضع الحياد، فإذا أضاف الواقع بعدًا ثالثًا هو المسارات التي رسمتها القوى الغربية وقوى الجذب إليها والتي يصعب على الدول فضلًا عن المؤسسات والأفراد الخروج عنها إلا أن تحركها العقيدة وترسم لها خطها الحياتي، والواقع أن معظم الدول العربية والمسلمة بدرجة أو بأخرى تنطلق من هذا التأسيس الوضعي في حركتها وممارستها، والنتيجة هي التردي والإخفاق الذي لحق بكل الدعاوى والمثاليات الوضعية التي رفعتها منذ أن حصلت على استقلالها السياسي وحتى اليوم (3) ، وهو واضح كل الوضوح في سياسات وزراء التعليم المتعاقبين؛ إذ كل واحد يأتي ليطبق ما يراه وفقًا لانتماءاته الفكرية وقناعاته الفلسفية وخبرته العملية وربما صداقاته وعلاقاته (4) !

وهذا ينتج عنه سمة أخرى هي:

ثالثًا: التسويغ الأيديولوجي:

وهو من أخطر الأمور التي يمكن أن تراها في نظام في العالم؛ لأنه يقتل الوعي؛ فإذا كانت العقيدة هي التي تؤسس للعلم والتربية في بناء المجتمع فيأتي العلم منسجمًا مع ذلك كله؛ فإن العلم وفق النظرة البراجماتية هو الذي يصنع المجتمع.

ومناهج التعليم في بلادنا العربية تعتمد مبدأ تبرير الأيديولوجية المسيطرة وعرضها على المتعلمين، وكأنها أيديولوجية عامة تمثل مصالح كل القوى الاجتماعية، مما يزيف وعي المتعلمين بالواقع، خاصة حين يُكتفى بالدور التبريري للأيديولوجيات الرسمية فيقوم التعليم بوظيفة إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية نظرًا لطبيعة الأيديولوجية.

ومن هنا يصدق القول بأن التعليم منذ عهد محمد علي وحتى اليوم إنما يقوم بخدمة الأهداف السياسية للنخب الحاكمة بعيدًا عن الأهداف الحقيقية للمجتمع فضلًا عن المعاني الشرعية؛ وهي بهذا تقدم وعيًا زائفًا بالحقائق التي يجب أن يعيها المسلم عن واقعه ماذا يريد منه، وماذا عليه أن يصنع فيه؟ وهذا بدوره يسلم للذي بعده.

رابعًا: اتباع سياسة التلفيق:

وهي سياسة اتبعها المستعمر لإفراز نوعية من البشر لا يمكن أن تفهم ما يقع إلا بعقل المعلم، وكما سبق أن أشرنا سياسة «عقل إنجليزي ويد مصرية» . وفرق بين التلقين والاعتماد على ذاكرة اللفظ كأسلوب للتعليم وسيطرة التعليم اللفظي وعدم ربط التعليم بالعمل وبالواقع ـ وبين بناء الإسلام للمنهج التجريبي بأدواته وأساليبه والذي يبني الذاتية العلمية المؤهلة المنضبطة القادرة على النمو والارتقاء.

ولا شك أن هذه السياسة سياسة سلطوية لها بصمتها الواضحة اليوم على شخصية الأجيال العربية والمسلمة.

وهذه السياسة تعكس أحد أمور أو أكثر مما يلي:

أولها: عجز القائمين على أمر التربية عن التطوير الذي يواكب ما ينادون به من شعارات الحداثة والتنمية والتطوير.

ثانيها: أن هناك انفصامًا بين المناهج وروح المجتمع وربما شخصيات واضعيها أيضًا، ومن ثم كان أسلوب «ابلع ما يأتي» هو الأسلوب المناسب في هذه الحال.

ثالثها: ـ وهو الأعجب ـ: أن من مصلحة القائمين على التعليم أن يبقى الوعي عند أدنى درجاته.

رابعها: أن هذه السياسات مرسومة، ودور القائمين هو مجرد التنفيذ لسياسات ومناهج هم غير مقتنعين بها وهم غير متفاعلين معها، ومن ثم فلا يصلح غير التلقين.

وأيًا كانت الحقيقة؛ فإنها إدانة قوية للتعليم الحداثي الذي جر على أمتنا الويلات.

خامسًا: المفاهيم المختلة لأركان العملية التعليمية، وأهم ركنين هما: (الإنسان ـ والعلم) :

فالنظرة المادية للإنسان والتي تنحدر أكثر وأكثر حين يكون هذا الإنسان هو العربي أو المسلم. والتي تقيس الإنسان بشهواته ونزواته هذه النظرة هي التي تحكم عملية التعليم اليوم في بعض البلدان ويراد لها نفس الأمر في بلدان أخرى.

والعلم الذي يستبعد ما وراء الحس ويحاول أن يفلسف الأمور الغيبية والشرعية فلسفة حسية مادية تفقدها روحها.

فهو ضمنًا يستبعد علوم الشرع من مسمى العلم؛ بينما يضم فيه الفلسفات الوضعية والنظريات الباطلة مما يتوهم أصحابها ومعتنقوها أنها مسلَّمات وهي ليست بعلم أصلًا؛ هذا العلم هو الذي تتبناه السياسات التعليمية العلمانية في غالب البلاد الإسلامية، وهو مع هذا محدود بمرحلة سِنِّية معينة.

وكلا النظرتين مخالفة لنظرة المسلم؛ فالإنسان هو ركن الحضارة، والعلم هو عمادها وهو غير مناقض للإيمان الصحيح؛ لأن كلًا منهما يدل على الآخر ويحث عليه، والعلم شِقُّ الإيمان الذي يكمله شِقٌّ آخر هو العمل.

سادسًا: أزمة الهوية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت