وهي أظهر في مناهج الدول التي طُبِّعت تعليميًا، فعلى سبيل المثال قامت إحدى الباحثات بتحليل محتوى وثيقة الاستراتيجية ـ السابق ذكرها ـ بالنسبة للهوية والانتماء فوجدت أن الهوية المصرية قد احتلت فيها الأولى تليها الهوية العالمية، ثم الهوية العربية، واحتلت الهوية الإسلامية المرتبة الأخيرة، وتشير إلى أن أكثر التكرارات في الهوية الإسلامية جاءت مقرونة مثل: ثقافتنا المصرية العربية الإسلامية، وأن التناول كان للقيم الإسلامية العامة وليس للإسلام بوصفه دينًا وشريعة.
وفي وثيقة «مبارك والتعليم» هبط الانتماء الإسلامي للصفر، وانخفض الانتماء العربي انخفاضًا ملحوظًا لصالح تأكيد الانتماء المصري.
واستخلصت الباحثة من تحليلها أن طبيعة «الشخصية» التي يراد من التعليم الإسهام في صياغتها كانت واضحة في «استراتيجية تطوير التعليم» ولم تكن واضحة في كتاب «مبارك والتعليم» حيث زاد التركيز على الانتماء المصري، وتراجعت كل من الهوية العربية والهوية الإسلامية بصورة تثير القلق! (1) .
وتشير إحدى الدراسات أن مناهج التاريخ في المرحلة الابتدائية تؤكد على فرعونية مصر بنسبة 54%، وعلى الانتماء القومي المصري بنسبة 30%؛ بينما لا يشغل الانتماء العربي سوى 16% من المحتوى، وأن الكتب المصرية تؤكد على فكرة الوطنية المصرية بوصفها شيئًا مستقلًا عن القومية العربية والقومية الإسلامية.
وفي دراسة أخرى لمناهج المرحلة الثانوية يبلغ التركيز على الهوية القطرية 45% بينما تحظى الهوية العربية بالمرتبة الثانية (27.8%) . أما الهوية الإسلامية فتتراجع إلى المرتبة الخامسة (4.8%) وتلاحظ إحدى الدراسات حول عروبة التعليم المصري [وفقًا لمنظور الباحث] من عام 1952م إلى1981م مدى تذبذب مكونات الهوية بالعامل السياسي الرسمي (2) . وهكذا تحولت الهوية الأصلية للشعب إلى سلسة من عمليات التغييب والتشويه والتزييف: حينًا بإعادة صياغة العقول عبر التعليم والإعلام، وحينًا بأدوات القهر والعنف حتى تلازمت العلمانية والدكتاتورية في مجتمعاتنا.
سابعًا: فساد المناهج والمقررات:
أول ما يطالعنا في ذلك هو مادة (الدين) التي تعد ثانوية كما يريد العلمانيون أن يُفهِموا النشء أن الدين شأن ثانوي في الحياة؛ وهي مع هذا مادة جامدة لا ترى الدين إلا أماني لا تحفظ ماءًا ولا تنبت كلأً، وهي في فلسفتها خاضعة للمفهوم العلماني للدين الذي يفصله عن العلم والمجتمع والحياة؛ وهذه المادة يُخطَّط لاستبدالها بمادة الأخلاق وهي لا شك خاضعة لكل النظريات اليهودية من روسو إلى دارون إلى دوركايم وفرويد وسارتر، بل وأينشتين أيضًا.
-أما التاريخ فتم حذف كل ما يشير إلى الجهاد أو إلى عداء اليهود من أحاديث أو آيات أو وقائع وكذلك الحروب الصليبية، وتم تقليص مساحات السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لصالح التاريخ الفرعوني والأوروبي الحديث؛ والظاهر أن المراد في كل مرة هو الإسلام.
-وبلغت العلمنة حدها حين استخرجت من كتب القراءة والنصوص كل ما يرمز إلى سمت الإسلام وسلوكه.
-ومن ذلك التشويه المتعمد للشخصية الإسلامية سواء على المستوى التاريخي أو على مستوى المقارنة من خلال الرسم والتصوير الإيضاحي أو حتى على مستوى العمران، وقد بذلت عناية فائقة في هذا المجال.
-أما كتب المنطق والفلسفة فقد ذكرت أقوال الفرق كلها دون أدنى توجيه أو تعليق.
-وفي كتب اللغة العربية شوهت اللغة بمحاولة تسطيحها وإقحام التجارب الحداثية فيها دون معنى، وحذف النصوص ذات القيم الجمالية والدلالية العالية.
-أما في الكتب الأجنبية فحدِّث ولا حرج عن الصور العارية والمشاهد الجنسية الفاضحة، والحوارات الساخنة، كما أنها لم تَخْلُ من إقحام لفقرات تنصيرية.
-وحين يُستبعَد من القيام بعملية التدريس كل من له سمت إسلامي أو ولاء ظاهر للإسلام من أجل أن يقطع طريق العودة إلى الإسلام من كل سبيل وفق سياسة تجفيف الينابيع.
-والمراد من وراء ذلك كله كما يقول الدكتور إبراهيم البحراوي رئيس وحدة الأبحاث الإسرائيلية بجامعة عين شمس بالقاهرة: هو تجريد المجتمع المصري من إرادة الصراع، وإيقافه بعيدًا عن حالة اليقظة والاستعداد ليكون في وضع الفريسة (1) .
-كانت هذه بعض السمات الظاهرة والغالبة على التعليم العلماني عمومًا وفي الدول التي قطعت شوطًا كبيرًا في العلمنة على وجه الخصوص، وما لم نذكره من سمات لا يقل أهمية وخطرًا عما ذكرناه، ولكن ضيق المقام حال دون الاستطراد في هذا الباب، لكن بقي أن نشير إلى أن مدرسة المشاغبين التي عرضت في منتصف السبعينيات لم تكن يومها سوى تبشير بسياسات تعليمية علمانية، وهي مع هذا عادت لتطل علينا مرة أخرى مستفيدة مما استجد من تقنيات ومبتكرات فكرية ومادية؛ لكنها هذه المرة أطلت علينا من المدرسة والجامعة إلى جانب المسرح والتلفاز، وأبطالها ـ وهم غير أبطال ـ صاروا أكثر عددًا وأكثر تصريحًا وأعلى صوتًا، وفي كل مكان لن تعدم مشهدًا أو مشاهد من تلك المسرحية.
(1) ثقافتنا في إطار النظام العالمي الجديد، فوزي محمد طايل، ص: 15ـ 17 مركز الإعلام العربي.
(2) المرجع السابق، ص: 18، وانظر كيف اكتسب التعليم الناشئ صفة العمومية!
(3) تاريخ الصحافة الإسلامية، أنور الجندي، ج 1 ص: 271.
(4) مقدمات العلوم والمناهج أنور الجندي، ج 6: ص 319 ـ 320، دار الأنصار القاهرة.
(5) أنور الجندي، المصدر السابق ج 6، ص 332، وإن كان في العبارة شيء من المبالغة الأدبية، لكن ما فعله دنلوب كان في الحقيقة أخطر من الوصف، ومن ذلك أنه اتبع سياسة (أجلزة التعليم المصري) ليغرب الطالب المصري عن مجتمعه ولغته ودينه؛ حتى إنه كان يتلقى قواعد اللغة العربية باللغة الإنجليزية!
(1) سن كرومر ودنلوب سنة متبعة من مدارس الاستعمار الغربية.. ويعد دنلوب واضع المخطط الأساسي لتغريب التعليم والتربية وإقصاء الإسلام وتاريخه واللغة العربية عن برامج التعليم في المدرسة المصرية، وهو أيضًا المنفذ المشرف لسنوات طويلة، وقد تكررت هذه الصورة؛ فالمارشال ليوتي والكاردينال لافيجري في المغرب هما تكرار نموذج كرومر ودنلوب في مصر.
(2) سيطر التعليم الاستعماري الوطني في مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا وتونس وفلسطين والجزائر ومراكش من الأقطار العربية كما سيطر تعليم الإرساليات الأجنبي في هذه الأقطار أيضًا؛ وسيطرة بعضه واضحة في تركيا وإيران والهند وإندونيسيا والملايو، وكانت أبرز مراكزه في بيروت واستنبول والقاهرة. وقد حقق الاستعمار أهدافه في السيطرة على العالم الإسلامي عن طريق التعليم عندما لم تمر سنوات قليلة حتى أخرج ثماره ممن تولوا أمور البلاد وقيادتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
(3) كانت سياسة عبد الناصر تهدف إلى تقليص دور الأزهر مع الوقت؛ فحل هيئة كبار العلماء واستولى على أوقافه، وحين لم يستطع اللعب في المناهج في ظل أزمته مع الإخوان كان الحل هو خلط العلوم الشرعية بالعلوم المدنية لتختلط على الطالب وتثقل كاهله فلا دينًا حفظ ولا دنيا.
(1) انظر: اختراق الأمن الوطني المصري رؤية فسيولوجية، عبد الخالق فاروق، ص: 23 ـ 24 مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر.