وقد لا يجد الإنسان المتأمل كبير فارق بين دعاة المعاصرة هؤلاء الذين لا يرون سبيلها إلا بالتخلي عن الذات المترافق مع الشعور باستحالة اللحاق بالعصر الذي يشل الإمكانية ويعطل الفاعلية، فيدعون إلى تقليد الغالب في الشيء كله، وبين التراثيين، أولئك الذين يقتصرون على الفخر بالماضي والاعتزاز به بحجة أن الأولين لم يتركوا للآخرين شيئًا، كبديل عن الإسهامات المعاصرة من حيث النتيجة والممارسة العملية، وإن اختلف المنطلق.
إنهم يقفون على أرض واحدة، ويتنفسون هواء مناخ واحد هو مناخ الواقع المتخلف.
فلا دعاة التراث بالمفهوم السابق استطاعوا أن يرتكزوا إلى الماضي ويتزودوا منه لتغيير الواقع وصناعة المستقبل حيث إنهم اقتصروا على الانتصار العاطفي للتراث والتاريخ، واكتفوا به عن الفعل الحضاري. ولا استطاع دعاة المعاصرة بمعنى الانسلاخ عن الماضي ومحاكاة إنسان العصر الأوروبي ووسائله، تقديم البديل أو المساهمة بأي نهوض أو عمل مبدع. لقد سقط دعاة المعاصرة هؤلاء بحفر من التخلف جاءت أشد عمقًا، فكانوا أشد تقليدًا وأسوأ حالًا من التراثيين.
إنهم يقلدون حضارة الغالب الغريبة، ويحاكونها، ويعجزون عن أي إبداع في أي مجال سوى مجال الاستهلاك واستيراد أشياء الحضارة المادية ومفرزاتها الثقافية، وتكديس هذه الأشياء والمفرزات والوقوف فوقها وكأنها من صنعهم، فهم يعيشون وهْمَ المعاصرة لكنهم في الحقيقة أشد عجزًا من الآخرين وأشد بلاء، ولعل بلاء التراثيين أقل، حسبهم أنهم يقلدون ماضيهم ولو عجزوا عن الإفادة منه لحاضرهم ومستقبلهم، وإن التقى الفريقان على ساحة التقليد.
وقد تتحدد المشكلة نوعيًا في خطأ الطرح الذي جعل مفهوم التراث أو الأصالة مقابل مفهوم المعاصرة، وانتهى إلى أنهما طرفا الاختيار الملزمان في المعادلة؛ ذلك أن المقدمات المخطئة تقود بالضرورة إلى نتائج مخطئة، وأنه لا سبيل آخر؛ إلا اختيار أحد الأمرين، إما التراث وإما المعاصرة.
والحقيقة البادهة أن لا معاصرة دون أصالة، ولا أصالة صادقة دون معاصرة فاعلة، فالماضي بالنسبة للأفراد والأمم هو الذاكرة المصاحبة دائمًا التي يختزن فيها الإنسان تجاربه وعبره، ويوظف دروسها لحاضره ومستقبله، ويرثها أولاده وأحفاده، ويمكِّنه حضورها الدائم من الحكم على المستجدات على ضوء تلك التجارب، والبون شاسع بين العاقل الذي يعتبر بماضيه بما فيه من دروس وعظات لحاضره، وبين الأحمق مطموس الذاكرة الذي لا يمكن إلا أن يكون عبرة لغيره؛ فالحاضر جزء منا ونحن جزء منه، رضينا بذلك أم رغبنا عنه، وكذلك الماضي هو جزء منا ونحن نسغ ممتد منه.
إن حصر القيم الإسلامية وفاعليتها وعطائها الحضاري بفترة تاريخية معينة يتنافى أصلًا مع خلودها، كما يتعارض مع ختم الرسالة؛ فلا بد إسلاميًا إذن وباستمرار من النزول إلى الساحة وتقديم الحل الإسلامي، والقضية التي لابد من الانتهاء من مناقشتها والإجابة الحاسمة فيها لأنها انتهت إلى ضرب من الجدل اكتُفي به عن الممارسة عند الأطراف كلها:
هل المواكبة للعصر، وقبول التحدي يفقدنا الهوية ويؤدي لضياع الذات، أم أن الأساس الصحيح والتجربة التاريخية (الأصالة ) تعطينا نوع أمن، وتجعلنا قادرين على النزول إلى الساحة استجابة لخطاب التكليف، وتسلّحنا بالمقاييس الصحيحة للقبول والرفض، والقدرة الهاضمة للثقافات والمنجزات الحضارية دون الذوبان أو الخوف منه؟!
وهذا الذي حدث بالفعل في عصور النهوض، وتعطل في حقب التخلف عندما توقف العقل الإسلامي، واهتز تركيبه، وافتقد ترتيبه.
لقد كان شعار العقل المسلم: (( الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها ) )لكن أين العقل الذي يميز الحكمة من غيرها على ضوء مقاييس متميزة في الأخذ والعطاء الحضاري اليوم؟!
وقد يكون من الأمور المطلوبة اليوم أكثر من أي وقت مضى ـ وقد أخذ الجدال حول موضوع التراث والمعاصرة قرابة قرن من الزمن، ولا تزال تعقد له الندوات حتى اليوم ـ الانتهاء إلى تحديد واضح لمفهوم التراث، ووظيفة التراث بعد التمييز في التعامل بين أحكام العقل وأحكام الوحي، كما لابد في الوقت نفسه من تحديد مفهوم المعاصرة في إطار الفكر الإسلامي، وأن من أوائل شروطها:
القدرة على هضم التراث واستيعابه، وليس القفز من فوقه، واستيعاب تطور شبكة العلاقات الاجتماعية، وتبدل وظائف الدولة الحديثة وامتداد سلطانها ووسائلها ومؤسساتها، ومفرزات الحضارة الحديثة التي تنتسب إلى أصول غير إسلامية، ومن ثم القدرة على تنزيل الإسلام على واقع الناس، أو المحاولة من أهل التخصص، وليس أهل الإنشاء الخطابي، لوضع الأوعية الشرعية المعاصرة لاستيعاب حركة الناس، أو بمعنى آخر:
البدء بالممارسة الإسلامية بعد أن تجددت ذاكرة المسلمين تجاه دينهم، وتحقق الانتماء، وأُمِنَ الذوبان، وانتهت مرحلة تحقيق الذات، فلا مناص من الانتقال من مرحلة المبادئ والتعميم إلى مرحلة البرامج والتخصيص، وامتلاك القدرة من خلال التصور التراثي على تقديم الحل الإسلامي للمشكلات المعاصرة، والانتهاء من مرحلة الاستغراق في رؤية المشكلات التاريخية، إلا بالقدر الذي يحقق البصارة والقدرة على تعدية الرؤية، وبذلك تحقق الذات الإسلامية وظيفتها في الشهادة على الناس، وحسن قيادتهم، وإلا ففاقد الشيء لا يعطيه.
ولا نعتقد أن هناك مسلمًا يعني بالمعاصرة: الصورة القائمة في استيراد منتجات العصر الثقافية والتقنية بشكل أعمى وعشوائي، أو يعني بالأصالة: الانكفاء نحو الماضي والاحتماء فيه، وعدم الخروج به إلى الإفادة منه في معالجة الواقع المعاصر، واستشراف آفاق المستقبل على ضوء تلك المعطيات؛ لأن حياة الأمم والأفراد لا تخرج عن كونها حلقات متكاملة تؤسس كل منها على الأخرى، قال تعالى:
(أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرفٍ هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ) (التوبة:109 )
ويمكن القول: إن الكتاب الذي نقدمه اليوم استطاع أن يقدم ملامح مضيئة ومعالم واضحة للإفادة من التراث في معالجة المشكلات المعاصرة، وقد عرض لأهمها؛ كالمشكلة الاجتماعية والتشريعية والثقافية واللغوية إضافة إلى المشكلة السياسية، وكان له وقفة موفقة عند العصر العباسي حيث ترسب في أذهان كثير من الناس أن التجزئة في ذلك العصر كانت سببًا في إثراء المعرفة، وكأن وحدة المسلمين هي عامل تخلفهم!!
كما دعا إلى وضع استراتيجية واضحة ودقيقة للثقافة الإسلامية من أجل مراعاة مبدأ تراكم المعرفة في النتاج الجديد حفاظًا على الطاقات، ورغبة في الوصول إلى نتائج تخدم القضية الإسلامية في هذا العصر بناء على دراسة الواقع التاريخي إلى جانب الواقع المعاصر.
كما أكد على أهمية أن تقوم دراسات ناقدة تجيب عن مجموعة أسئلة تحدد أهداف العمل وغاياته، والحدود والشروط والوسائل اللازمة لترشيده وتوجيهه الوجهة السليمة، وتُجلِّي السلبيات والإيجابيات، وتحرك الركود والخمول الذهبي الذي يعطل فاعلية المسلمين اليوم، لأن غياب حركة النقد أدى إلى فوضى فكرية تتمثل في ضياع مقاييس التقويم، وكثرة التكرار في الأشكال والمضامين، وغلبة السطو الأدبي.