فهرس الكتاب

الصفحة 2671 من 3028

(9) ويقول ابن أبي العز في شرح الطحاوية:"الكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفرًا أعظم، فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا، ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب، فكذلك الإيمان يكون تصديقًا وموافقة وموالاة وانقيادًا، ولا يكفي مجرد التصديق"أهـ ( [10] ) .

وهكذا يتأكد أن الإيمان لا يتحقق أبدًا إلاّ بتحكيم شرع الله والاحتكام إليه بتصديق وإذعان، ولذلك"فالتولي عن الحكم بالشريعة كالتكذيب بها سواء كلاهما كفر أكبر" ( [11] ) .

[2] إلغاء أحكام الشريعة أعظم جرمًا من عدم تحكيمها ابتداءً:

ومما يجب التنبيه إليه ضرورة العلم بأن عدم تحكيم الشريعة في حياة الناس جريمة دينية واجتماعية وسياسية، ولكن إلغاء ما استقر من أحكام الشريعة أعظم جرمًا وأكثر ذنبًا وإثمًا، وقد يكون فيه الارتداد أظهر؛ لأن في الابتداء يمكن الاعتذار بالشُّبه، ولكن في الإمضاء تقل وتنعدم؛ إذ لا خيار للأمة بعد رفع حكم الشرع بعد مضيه، وإلغائه بعد وجوده، وردّه بعد ثبوته: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالًا مبينًا) [سورة الأحزاب: 36] .

[3] لا انفصام بين العقيدة والشريعة:

وإن كانت العقيدة تمثل جانب التصديق والإيمان، والشريعة تمثل جانب التطبيق والإذعان فلا انفصام بين عقيدة المسلمين وشريعتهم، بين الاعتقاد وبين الاحتكام، وهذا واضح بيّن لا يحتاج إلى كثير استدلال، وقد جمع القرآن بينهما فقال: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) . ولذلك فالدعوة إلى الفصل بين عقيدة الأمة وشريعتها كالفصل بين الروح والجسد: إماتة للعقيدة ونقض للإيمان، وردة في الدين.

وعلى ضوء هذه الأمور الثلاثة يُستدل لوجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية جميعًا من الكتاب والسنة والإجماع والقياس والعقل والمصلحة والتاريخ بما يقطع بلزوم الشريعة أهلها ووجوب تحكيمها في حياتهم ونبذ ما عداها.

أولًا: القرآن يلزم المسلمين بتحكيم الشريعة في أمورهم جميعًا:

فالقرآن الكريم يوجّه الأوامر والمواعظ والأخبار للمسلمين، يوجب عليهم الاحتكام إلى شرع الله، والاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أمورهم وسائر جوانب حياتهم. ولو تقصّينا آيات القرآن الدالة على وجوب تحكيم الشريعة لضاق المجال، ولكن أسوق منها جملة كبيرة، منها:

(1) قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) وهو دليل صريح أن كل حاكم مسلم لا يجوز له أن يحكم بغير الشرع، وأنه لا بديل لشرع الله، وأنّ أي نوع احتكام مهما يُرَى حقارته وقلّته يجب أن يصدر عن شرع الله، وإلاّ فهو اتباع للهوى المضل وذلك هو الضلال المبين.

(2) وقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) .

(3) وقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) .

(4) وقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وهذه الآيات الثلاث جمعت بين أحوال تاركي الاحتكام لشرع الله، ورافضي تطبيقه، والداعين إلى نبذه وإلغائه، فكل تارك لشرع الله لا يخلو حاله من هذه الأمور الثلاثة:

أ ـ إما الكفر البواح بتكذيبه واعتقاد بطلانه.

ب ـ وإما الظلم لنفسه ولأمته وقومه بعدم الاحتكام إلى الشرع وإن اعتقد صلاحه ووجوبه، مع قدرته على الالتزام به.

ج ـ وإما الفسق الدال على تقديم الشر على الخير والقشر على اللب، ورضا الخلق على رضا الرب، بالتساهل في ترك الاحتكام إلى الشرع.

وفي كل الأحوال الثلاثة فليس بخارج عن أحوال الكفر، أكبر كان أو أصغر، كما يدل على الجهالة المفرطة باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهو دال على استجلاب الذلّة والهوان باسترضاء الكافر على حساب معتقده ودينه، وعلى حساب ملّته وأمّته.

(5) وقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) [سورة النساء: 65] .

يقول الجصاص الرازي في تفسير هذه الآية:"في هذه الآية دلالة على أن من ردّ شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم؛ وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة، وقتلهم وسبي ذراريهم؛ لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان" ( [12] ) .

(6) وقوله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [سورة الجاثية: 18] . وهو جمع بين لزوم اتباع الشيء وترك شيء بصريح العبارة، لزوم اتباع الشريعة ونبذ ما عداها؛ لأن ما عدا الشرع هو الهوى المتبع، والهوى جهل وضلال وكما قال تعالى: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) .

(7) وقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [سورة الأحزاب: 36] . وفيه نفي الاختيار الدالُّ على الإلزام والحتم بالاحتكام إلى قضاء الله ورسوله، وقضاؤهما الشريعة السمحة.

(8) وقوله تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) [سورة الأعراف: 3] . جمع بين الأمر والنهي للتأكيد والقطع بأن الالتزام بالشرع مطلوب واجب، ولا يكون ذلك إلا باتباع الشرع ونبذ ما عداه.

(9) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان) [سورة البقرة: 208] . ولا يتحقق الدخول في الإسلام كافة مع ترك شيءٍ مما أوجبه الشرع وقضى به، فذلك هو اتباع خطوات الشيطان وموالاته وحزبه.

(10) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) [سورة الأنفال: 24] . وهذا أمر يقتضي الإيجاب للاستجابة لأوامر الله ورسوله وإقامة الحياة على الالتزام بها، وهي شريعة الإسلام السمحة.

(11) وقوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين) [سورة الأنعام: 162ـ163] . فلم يخرج شيء مما يكون تصرفًا بشريًا، أو موقفًا سلطانيًا، أو عبادة دينية، أو معاملة بين الناس في سائر المجتمعات إلا وهو مأمور به، وبه أمر كل مسلم.

(12) وقوله تعالى: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون) [سورة الزخرف: 43ـ44] . وما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القرآن وما فيه من أوامرٍ ونواهٍ، ومن أحكام وحدود، وهي أحكام وحدود شريعته، فهو صلى الله عليه وسلم مسؤول عنها وعن تطبيقها وتحكيمها في حياة أصحابه، والأمة من بعده مسؤولة عن تحكيمها في حياتهم، وقد قال أهل التفسير:"تسألون أنت ومن معك على ما أتاك... تسألون عمّا عملتم فيه" ( [13] ) . فالمسؤولية العامة والخاصة للأفراد المسلمين، والجماعات الإسلامية، والدولة الإسلامية قائمة بتطبيق الشريعة الإسلامية وتحكيمها في الحياة؛ مما يستوجب السؤال عن مدى التزامهم بالشرع وتطبيقهم لأحكامه، وإذا كان الخطاب يوجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بأمته؟ وكوننا مسؤولين دليل وجوب ذلك ولزومه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت