(13) قوله تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) [سورة النساء: 105] . فالغاية العليا من إنزال القرآن، والمقصد الأسمى من إنزال الكتاب العزيز هو تحكيمه في حياة الناس، وفضّ نزاعاتهم به، وإقامة العدل بينهم بأوامره ونواهيه، وردّ الحقوق بالتزامه، والاهتداء في الحياة كلها بالاستقامة على أحكامه. وبمعنى أجمل: تحكيم شرع الله في حياة الناس.
ثانيًا: وجوب نبذ ما سوى الشريعة:
(14) قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون...) . وهذه الآية بيِّنة على أن حكم غير الشرع جاهلية، ويستنكر رب العزة ابتغاء الحُكّام حُكْمًا غير الشرع، ويؤكد أن ذلك جاهلية جهلاء.
(15) وقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولّى ونصله جهنم وساءت مصيرًا. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [سورة النساء: 115ـ116] . وسبيل المؤمنين هو الاحتكام إلى الشريعة في جميع أمورهم، مما يدل على نبذ سوى هذه الشريعة وعظم جرم من يحتكم إلى غيرها، وأن جزاء من يفعل ذلك منا الوقوع في الضلال البعيد، بعد ما حكم عليه رب العزة بأنه مشاقق للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
(16) قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [سورة الأنعام: 153] . فشرع الله هو سبيله، وهو صراطه المستقيم، ولا يجوز ترك الصراط المستقيم إلى ما سواه مما يُضلّ ويفرق عن سواء السبيل، ولما كان كل سبيل غير سبيل الله معوجًّا فلا يجوز للمسلم اتباعه، والنهي في الآية صريح مقتضٍ للمنع والتحريم.
(17) قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) [سورة البقرة: 120] . وفي الآية تحذير من المولى عزّ وجلّ ووعيد وتهديد يفضي إلى فقدان ولاية الله ونصرته، ولا خير فيما يفضي إلى هذا الشر المستطير والخسران المبين، وحقه بلا خلاف نبذه وحظره والامتناع عنه، وهو ما دون شرع الله من أهواء البشر وقضائهم وقوانينهم المبنية على الأهواء؛ لأنّ مقصد الشرع الأسمى هو إخراج العبد عن هواه ليكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا.
(18) قوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذًا لمن الظالمين) [سورة البقرة: 145] . وفيها ذمّ شديد لمن ترك الشرع واتخذ غير شريعة الله حكمًا، فحكم عليه رب العزّة أنه من الظالمين، وصدق الله.
(19) قوله تعالى: (ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحق) [سورة المائدة: 48] . والهوى الذي نهينا عن اتباعه وتفضيله وتقديمه على شريعة الإسلام هو هوى العصاة للرسول صلى الله عليه وسلم والكفار بالرسول صلى الله عليه وسلم وأعداء الإسلام، ودليل ذلك قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [سورة القصص: 50] .
ثالثًا: الإجماع يقطع بوجوب تحكيم الشريعة:
لا يختلف مسلمان على وجوب تحكيم شريعة الإسلام في حياتهم، وإلاّ فمن خالف في ذلك؛ كان مطعونًا في دينه، منقوصًا في عقيدته، بل إنّ من ردّ شيئًا من شرع الله شكًا في صلاحه، أو اعتقادًا في صلاح غيره، وفضّله عليه فهو مرتد خارج عن الملّة بلا خلاف.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله:"من المتفق عليه أن من ردّ شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم خارج عن الإسلام سواء ردّه من جهة الشكّ أو من جهة القبول أو الامتناع عن التسليم" ( [14] ) .
ويقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حفظه الله:"وهذا الحكم لا خلاف فيه بتاتًا، أعني كفر من ردّ حكمًا من أحكام الله الثابتة في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، خاصة إذا كان هذا الرد معللًا بأن هذا التشريع لا يناسب الناس، أو لا يوافق العصر، أو أنه وحشية، أو غير ذلك، لأن حقيقة عيب التشريع هي عيب المشرع، والذي شرع هذا وحكم به هو الله سبحانه وتعالى، ولا يشك مسلم في أن عيب الله أو نسبة النقص أو الجهل له كفر به وخروج عن ملّة الإسلام، ولذلك فالأمر الأول الذي ينبغي أن يتعلمه الذين يردّون هذا الحكم أنهم ليسوا من جماعة المسلمين، ولا ينتمون إلى هذه الأمة أصلًا، إلاّ أن يعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى" ( [15] ) ا.هـ.
ومما يترتب على ذلك:
أنّ كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل لا تجب طاعته ولا طاعة من شرعه ووضعه، ولو وضعه حاكم مسلم، أو دعا إليه سيّد غاشّ لقومه وأتباعه، أو زعيم مزعوم الإمامة في عشيرته.
وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء.
قال عودة رحمه الله:"ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء في أن كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل لا تجب له الطاعة، وأنّ كل ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أياّ كانت، ومن المتفق عليه أن من استحدث من المسلمين أحكامًا غير ما أنزل الله ويترك بالحكم بها كل أو بعض ما أنزل الله من غير تأويل يعتقد صحته، فإنه يصدق عليه ما وصفهم به الله تعالى من الكفر والظلم والفسق كل بحسب حاله، فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا لأنه يفضل غيره من أوضاع البشر عليه فهو كافر قطعًا.." ( [16] ) .
ثالثًا: القياس والعقل يوجبان تحكيم الشريعة:
والقياس يقطع بوجوب ولزوم الاحتكام لشرع الله ظاهرًا وباطنًا؛ وذلك أنّ كلّ تشريع إنما يُقبل ويُلزم به ويحرص الناس عليه إذا كان صادرًا من عالم خبير من البشر بالقانون وأوضاع الناس ومجتمعاتهم، فكيف بالله يُترك شرع من فطر السموات والأرض ويعلم ما فبها من شيء، خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو اللطيف الخبير بحالهم ونفوسهم وأفكارهم واتجاهاتهم، وهو عالم الغيب والشهادة، يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، فكيف يجوز عقلًا ترك شرع وقانون وقضاء اللطيف الخبير واهب العلم للعلماء، وخالق الخبراء، ومدبر الأمر للمجتمعات، ومالك الملك، يهب الملك لمن يشاء وينزعه عمن يشاء؟ هذا ورب العقلاء أجهل الجهالة وأبعد الضلالة، فكيف نلتزم شرع مخلوق ونعرض عن شرع الخالق تبارك وتعالى؟
فإن كان أعداؤنا يدعون إلى نبذ شريعتنا وراء ظهورنا والاحتكام إلى شرائعهم الباطلة، إن كانوا يدعوننا أن نلتزم الوضعية ونلغي الشريعة فهذا لعمري في القياس بديع، فإن كانت الدول والأنظمة تنتدب الخبراء والعلماء لتشريع النظم والقوانين للناس، ثم تلزم رعاياها بها، فشرع الخالق العليم الخبير اللطيف أولى بالاتباع وأوجب بالالتزام. وكفانا قول الله تعالى: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) [سورة الملك: 14] .
رابعًا: المصلحة تقتضي بوجوب تحكيم الشريعة:
ماذا يريد دعاة إلغاء الشريعة بدعوتهم؟ هل يرجون مصلحة تتحقق في غير الشريعة أفضل وأنفع من تطبيق الشريعة؟ أم يريدون درء ضرر ودفع شر قد يقع على الناس بسبب تطبيق الشريعة؟
بل في تطبيق الشريعة الإسلامية في حياة الناس الخير كلّه، والنفع كلّه، والمصلحة كلّها، والسعادة كلّها؛ لأن مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ـ كما يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: