فهرس الكتاب

الصفحة 2673 من 3028

"الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة للعيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء و النور الشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم، رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم هي عمود العالم وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة"أ.هـ. كلام ابن القيم ( [17] ) .

تحقيق السلام في اتباع الشريعة:

ومن مصلحة تطبيق الشريعة حتى على ما يراد بسببه إلغاؤها (أي من أجل السلام) فإن السلام يتحقق بالعدل والخير بالتزام الشريعة، عندئذ يُهدى حكامنا إلى سبل السلام الموفق الباسط للخير والمثبت لقواعد الحكم على رضوان الله تعالى، ولقد قال تعالى: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) [سورة المائدة: 16] .

وقال تعالى: (والسلام على من اتبع الهدى) [سورة طه: 47] . وخير الهدى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

والتزام الشريعة هو الضمانة الوحيدة في الإيفاء بالوعود واتفاقيات السلام من قبل المسلمين، وكلما كان الالتزام بالشريعة أوفى كان الإيفاء ببنود السلام أضمن، ولا يظنن ظان أن الضمانة الأقوى هي رضى أمريكا، أو أن الضمان الأكبر في رضا قرنق و موافقيه من بني جلدتنا وسادة بعضنا، وإنما الضمان كل الضمان منا التزامنا بالشريعة تصديقًا وتطبيقًا، فليسع حتى غير المسلمين للدعوة إلى تطبيق الشريعة وتحكيمها في حياة الأمة ليجدوا من المسلمين الوفاء الأكمل والالتزام الأتم بكل اتفاقية معهم.

والعقلاء من غير المسلمين في بلادنا وكثير من قادتهم عرف ذلك فسارعوا إلى إنكار الدعوة إلى العلمانية في بلادنا، يطالبون تحكيم الشريعة الإسلامية لما وجدوا من خير لهم في تحكيمها، الخير الذي انقشع غيمه وظلاله عمن نبذوا شريعتهم وراء ظهورهم.

خامسًا: التاريخ يشهد بوجوب تحكيم الشريعة:

وليس من أدل على وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في حياة الناس كلهم، بله المسلمين؛ شهادة التاريخ على أن خيرهم ونفعهم وصلاحهم بجميع طوائفهم وسائر مللهم و نحلهم، وكافة طرائقهم، وكل الشعوب والقبائل، شهادة التاريخ أن أوفى الشرائع، وأرأف الشرائع، وأقدر الشرائع ـ السماوية والأرضية أ على تحقيق العدل والخير للناس والمساواة بينهم بإنصاف وتجرد هي شريعة المسلمين.

ويكفي شهادة فخر للمسلمين أن نقرأ رسالة مسيحيي الشام إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، في زمان عزة المسلمين وقوة دولتهم وتمكنهم في الأرض يمشون عليها هونًا إلى أهداف سامية ووجهةٍ راشدة ـ يستنجد فيها مسيحيو الشام بالمسلمين يقولون لأبي عبيدة في رسالتهم:"معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، فأنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا".

فأية شهادة أصدق من هذه الرسالة في صلاح الشريعة الإسلامية لسائر الأمم والشعوب مسلمة وغير مسلمة وفي خيرها ورحمتها ورأفتها الدالة بيقين على وجوب تحكيمها عليهم جميعًا؟

وبعد رسالة مسيحيي الشام للمسلمين يطلبون شريعتهم ويستنجدون بهم لرحمتهم بهم أكثر من أهل دينهم، نستمع إلى شهادات علماء غير المسلمين ليكون التأريخ دليلًا قويًا وشاهدًا زكيًا على وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية في العالمين.

يقول ميشو في تأريخ الحروب الصليبية:"لما استولى عمر على مدينة أورشليم، لم يفعل بالمسيحيين ضررًا مطلقًا، ولكن لما استولى عليها المسيحيون، قتلوا المسلمين، ولم يشفقوا, وأحرقوا اليهود إحراقًا" ( [18] ) .

ويشهد البطريق (عيشو يابه) الذي تولى منصبه سنة 647ـ657هـ بأن:"العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون, إنهم ليسوا أعداءً للنصرانية.. ويوقرون قديسنا وقسيسنا, ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وديننا" ( [19] ) .

ويقول الحبر ميشون يشهد للمسلمين ويقرر عظمتهم لعظمة لدينهم في معاملتهم لغيرهم:"مما يؤسف له أنّ المسلمين هم الذين كانوا يبدؤون المسيحيين بالمسالمة وحسن المعاملة, مع أنّ المسالمة هي منبع الخير بين الأمم بعضها وبعض ... ولقد أيقنت من تبتعي للتاريخ أنّ معاملة المسلمين للمسيحيين تدّل على ترفع في المعاشرة عن الغلظة, وتدل على حسن مسايرة ولطف ومجاملة وهو إحساس لم يشاهد في غير المسلمين إذ ذاك خصوصًا أنّ الشفقة والرحمة والحنان كانت أمارات ضعف الأوروبيين, وهده حقيقة لا أرى وجهًا للطعن فيها..."أ.هـ ( [20] ) .

ليوقن العقل الراجح في أنه لاخير للبشرية إلا في مجتمع الإسلام وشريعة الإسلام وحياة القرآن ليصم المرجفون في المدائن المرتزقة العاملون لحساب أعداء الإسلام من بني جلدتنا, الذين يعصون الرسول ويسترضون من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا, الماشون في الناس يقولون: إنّ تطبيق الشريعة الإسلامية عقبة في طريق السلام ..كذبوا وبهتوا وأساءوا, أخزاهم الله أنى يؤفكون.

الخلاصة الجامعة:

[1] الحرب في سبيل الشريعة الإسلامية"تحصيلًا وإبقاءً وتحكميًا ومحافظة عليها"؛ جهاد في سبيل الله, وإعلاءٌ لكلمة الله.

[2] تحكيم الشريعة الإسلامية هي السبيل الأضمن لتحقيق السلام, وأي خيار بين السلام وبين الشريعة لا يجوز قبوله, وإلا فالشريعة أوجب خيار وألزم خيار ولا خيار سواها, وكل سلام يفضي إلى نبذ الشريعة وإلغائها الحرب خيرٌ منه, لأننا إنما نقاتل في سبيل الله من أجل إقامة الدين وتبيق الشرع, والله يقول (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) [سورة البقرة: 193] . والمعنى: فإن لم ينتهوا وسعوا إلى الانتقاص من الدين فهم ظالمون, والعدوان والحرب على الظالمين.

ونلاحظ المقابلة بين الدين والفتنة, بنفي الفتنة (حتى لا تكون فتنة) وإثبات الدين (ويكون الدين لله) أنّ الفتنة ما يُنقِص الدين وينقض عراه حكمًا حكمًا.

وفتنة إبعاد الشريعة أشدّ خطرًا على الأمة, وأكثر شرًا, وأبعد ضررًا عليها, قال تعالى: (والفتنة أشدّ من القتل) .

ولذلك؛ فخيار: الحرب عندنا مقدم على إلغاء الشريعة وإبعادها من حياتنا, لأنّ ذلك أشدّ فتنة لنا من الحرب.

[3] كل مسلم يرى وجوب العلمانية أو أنها أو سواها من سائر الأنظمة الأرضية المخالفة لمنصوص الشرع أو روحه أنها أفضل من الشريعة, فهو مرتد بلا خلاف بين العلماء.

[4] كل مسلم يرى أنّ تطبيق الشريعة الإسلامية لا يصلح في هذا الزمان أو ذاك المكان فهو ظالم لدينه كافر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت