فهرس الكتاب

الصفحة 2137 من 3028

فحديث القرآن الكريم عن الإنسان منشئه وطبيعته ومصيره، وطبيعة الكون وقوانينه، وسنن الحياة والقدر.. والحديث عن عالم الغيب والشهادة وعن الأخبار والأحكام والحقوق والواجبات والأدوار والوظائف.. كل ذلك رؤية، حيث قال ـ تعالى ـ: {إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] . ووصف المؤمنين بأنهم «أولو الأبصار» ، وضرب مثلًا لمن آمن بالرسالة واتبعها ومن لم يؤمن بها ولم يتبعها بالبصير والأعمى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50] وجعل الدعوة واجبًا لا يقوم به إلا من كان على بصيرة «رؤية» : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .

وعندما يؤكد علماء الإدارة الإستراتيجية بأن الرؤية «توجد ـ فقط ـ عندما يشترك الأفراد ـ في مؤسسةٍٍ ما أو بيئة ـ في القيم والاعتقادات والمهام والأهداف التي يجب أن توجه سلوكهم، ليتم إيجاد «العقل الجمعي» فإننا نفهم كيف أن الإسلام كان عقيدة وشريعة وعبادة وأخلاقًا ليحقق الرؤية لكل من رضي به دينًا.

ما علاقة هذا الأمر بموضوع حديثنا حول «الدراسات الإستراتيجية: تقييم وتقويم» ؟

الأمر يرتبط بمقدمات لا بد منها:

أولًا: أن الدراسات الإستراتيجية التي توضع في الخارج عن العالم الإسلامي أو توضع في مؤسسات تنطلق في دراستها من المنطلقات الغربية ذاتها هي نتاج «رؤية» فرد أو مجموعة أفراد، لها منهجها الخاص في التعاطي مع المادة الخام (من البيانات والمعلومات والإحصائيات والتقارير والوثائق والأبحاث، وغير ذلك) .

ثانيًا: أن منهج التعاطي مع المواد الخام، مهما سلمنا بشمول هذه المواد ودقة البيانات فيها وسلامتها من التزوير أو الأخطاء، له أثره في صياغة النتائج.

وأقرب مثال على ذلك: الصور الحية التي تنقلها وسائل الإعلام العربية والصهيونية عن الحوادث التي تتم في فلسطين (أو العراق حاليًا) ، هي ذاتها في المكان والزمان والعرض.

وعندما يتناول الإعلام العربي صورة الطفل الفلسطيني وهو يطارد بالحجارة الجندي الإسرائيلي، منوهًا ببسالة المقاومة وجبن المعتدي.. تقلب أجهزة الإعلام الصهيونية المعادلة ليكون الطفل إرهابيًا صغيرًا والجندي الإسرائيلي جندي رحمة وسلام.

الصورة ذاتها في الحالين، لكن التعاطي معها مختلف.

مثال آخر:

عندما يزداد إقبال النساء على الحجاب الشرعي والالتزام بالآداب الإسلامية في التعليم والعمل والنشاط العام تكون الأرقام مؤشرًا على وعي وتمسك بالإسلام وصحوة في الأوساط النسائية؛ هذا عند الدعاة إلى الله والأمة عمومًا؛ لكن الأرقام ذاتها تصبح تهمة في جانب حقوق المرأة وحريتها الشخصية وتخلفًا في الأوضاع لدى الدراسات الأجنبية.

ثالثًا: أن هذه الدراسات تنقل في ثناياها رؤية مغايرة لرؤيتنا الإسلامية وتؤصلها لنا من خلال حشد الأرقام والبيانات؛ وشيئًا فشيئًا تصبح الرؤية الإسلامية ضبابية، ويحل محلها رؤية جديدة تسند إلى الإسلام الظروف المأساوية وكأنه المسؤول عنها والمتسبب فيها. على الرغم من أن بُعدنا عن «رؤية» الإسلام الكلية للحياة والإنسان والكون هي السبب الحقيقي وراء الظروف المأساوية لمجتمعاتنا وبلداننا الإسلامية عمومًا.

ومن هنا فنحن مُلزَمون أن نقيِّم هذه الدراسات وفق رؤيتنا نحن، باعتبارها معطى من معطيات الواقع ـ كما هو الحال ـ إلا إذا أخذت طابع القداسة المطلقة فهذا شيء آخر، ومجال بحثه غير هذا المقام.

3 تقييم الدراسات الإستراتيجية:

صادر عن مركز () للدراسات الإستراتيجية، وأعده خبراء إستراتيجيون، وأشرف عليه معهد.... للإستراتيجية الدولية، مع إضافة: طُبِع في واشنطن أو لندن أو باريس، وبخط عريض: «رؤية إستراتيجية لـ » !.

إنها مائدة تبدو دسمة ومغرية لأصحاب القرار والرأي في بلداننا الإسلامية والعربية منها غالبًا؛ وخاصة إذا أضفنا نوعية الورق والطباعة الفاخرة والتصميم والإخراج الجذاب.

بعض الناس يقف عند هذه المقاييس، ولا يتجاوزها إلى القيمة الموضوعية للبحث في الحكم على مدى أهلية مثل هذه الدراسات والبحوث للاقتناء والنظر والاستفادة منها.

إن دراسات الاستراتيجية ـ كما أسلفنا ـ تقوم على تحويل المواد الخام من المعلومات والبيانات الواقعية إلى نتائج (نظريات أو فرضيات) ، وأيًا كانت فهي تمثل أسلوب تغيير أو معالجة للواقع للوصول به إلى المستقبل الأفضل. وهذه العملية محكومة بعدة أمور هي عند قراءة الدراسة غير مشاهَدة (وإن كانت حاضرة أثناء إعداد الدراسة في ذهنية ونفسية الباحث المعد) ، منها:

1 ـ «الرؤية» الخاصة بالباحث أو الدارس، والتي في ظل مقاييسها ومصطلحاتها وقيمها ومبادئها وسياستها تعامل الباحث مع المواد الخام. فمن خلالها رتب ونظم وانتقى، وأوجز هنا وأسهب هناك، وأغفل هذا وأبرز ذاك.

2 ـ «الهدف» أو الغاية التي لأجلها يُعدُّ البحث وتصاغ الدراسة. فأغلب أهداف البحوث والدراسات تكون خاضعة لإرادات متصارعة أو متصالحة، وفي كلتا الحالتين فالتوجيه إرادة مسبقة ونية مبيتة.

لذا فإن تقييمنا للدراسات الإستراتيجية يجب أن يأخذ في الاعتبار هذين العاملين لا مجرد «أسلوب المعالجة» الموضوعي ـ كما يطلق عليه ـ والذي تختبره أدوات المعمل، فكِلا الشخصيتين (الطبيب الجراح، والجزار) يتعامل مع الجالس تحت رحمة سكينه بأسلوب المعالجة الموضوعية ذاتها عند التشريح؛ لكن المحصلة النهائية مختلفة.

ونحن عندما نصور الأمر على هذه الحقيقة لا نزايد في مسلَّمات يتفق عليها الجميع، وهي أن الباحث والدارس مهما كان أسلوب تعاطيه مع المادة موضوعيًا فإن معتقداته وخبراته السابقة لن تكون في معزل عن صياغة النتيجة، وكذلك الحال مع الأهداف والنوايا.

وعليه فإن تقييمنا لأي دراسة صادرة من الداخل أو الخارج لا بد أن يخضع إلى ثلاثة معايير هي:

الغاية، والمنهج، والخبرة.

فإذا توافقت هذه المعايير معنا باعتبارنا مسلمين كانت هذه الدراسات مقبولة، وإذا خالفت ما عندنا عرَّيناها على حقيقتها. وهنا اعتراف:

إننا بوصفنا مسلمين فإننا مقصرون في صياغة دراسات إستراتيجية تنبع من «رؤيتنا» ، تصور لنا واقعنا كما ينبغي أن نحكم عليه، ومستقبلنا الذي تتيح لنا قدراتنا الوصول إليه، والتحديات التي سنواجهها بين النقطتين... وكيف يمكن تجاوزها.

إننا نستورد، أو نعيد تصنيع ما نستورده من القوم؛ أما أن ننتج محليًا وفق غايتنا ومنهجنا وخبرتنا فلا يزال الأمر حلمًا لدينا.

نقف أمام الأزمات والنكبات والفواجع مستخدمين: خطب الحماسة الملتهبة، أو أوامر التوجيه الصارمة: يجب ويجب، أو المناشدات ومطالبات الاستجداء.

ويقف آخرون: يستقرئون الواقع، ويحللون المعطيات، ويرصدون الظواهر، ويتابعون التغيرات، يفسر أحدهم ويربط، ثم يرسم من خلال ما يراه خططًا ممرحلة، ويأخذ مواقع متقدمة المرة تلو الأخرى.. إنهم في الحقيقة أعداؤنا {وَإن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] .

إن معالجة تراكمات من السنين التي تمتد إلى قرون لا تزول بالعشوائية والارتجالية والمثالية وانتظار الخوارق، كما أن تعقيدات المشهد لا تُحَلُّ بالسطحية أو الإغراق في الجزئيات أو ترك القضايا تحل بذاتها...!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت