فهرس الكتاب

الصفحة 2138 من 3028

المعالجة هي قناعة مُحصَّلة لخطورة ما نحن فيه، وهي تبدأ بالدراسة الفاحصة والدقيقة والشاملة، لا من موقف عاطفي وردة فعل آنية، وهذا ما يغلب على تعاطينا مع الأمور.

بالمثال يتضح المقال:

تعرض الولايات المتحدة الأمريكية سنويًا، تقريرًا خاصًا بالحقوق والحريات عن العالم بدوله وشعوبه، هذا التقرير تعده وزارة الخارجية الأمريكية بالتعاون مع أجهزة استخباراتية (غير معلنة) ومع منظمات ما يسمى بالمجتمع المدني (من الجهة المقابلة) . وهذه التقارير السنوية تتبنى الحالة العامة لحقوق الإنسان وحرياته على صعيد الممارسات السياسية والاقتصادية والإعلامية.. في بلاده.

للتقرير ديباجته المعتادة ومصطلحاته المختارة بدقة؛ وقد كان يمثل قبل 11سبتمبر شهادة للمستوى الإنساني والحضاري الذي تحمله القيم الأمريكية؛ لكنه اليوم (وهو ذاته التقرير بالعبارات والمصطلحات نفسها) مجال لسخرية القانونيين والإعلاميين والمثقفين ولكل من لديه مثقال ذرة من عقل.

وفي ضوئه تتخذ سياسات وتوضع خطط وتنفذ أعمال بل حروب ظاهرة أو خفية. فكان بمثابة الرؤية الإستراتيجية لما ينبغي أن يكون عليه العالم، وتحت شفرته تقطع الدول إلى راعية لحرية المعتقد وحرية التعبير وحرية النشاط وغير راعية لذلك ـ أي دكتاتورية ـ وعليه تستحق دولةٌ ما المساعدات أو لا تستحق، وتستحق الاندماج في المجتمع الدولي أو لا تستحق.

إن «الإنسان» الذي تدافع الولايات المتحدة الأمريكية عن حقوقه وتسعى لحريته ليس هو «الإنسان» الذي تعرفه أنت أيها القارئ الكريم بداهة، وما أدل كلمات الشاعر أحمد مطر عندما يصور هذا المأزق الغربي في النظرة فيقول: الخلق صنفان.. إنس وأمريكان.

3 تقويم الدراسات الإستراتيجية:

يتفق علماء الإستراتيجية على أن القيم والعقائد والأفكار هي الموجه للأشخاص والجماعات، وهؤلاء بدورهم هم الموجه للمواقف والأحداث.

وعليه فإن القيم والعقائد والأفكار تأتي في الدرجة الأولى من الأهمية ثم يليها الأشخاص ثم يلي ذلك المواقف والأحداث. وحيث إن الرؤية الإستراتيجية تصيغ العقائد والقيم والأفكار فهي لا تصلح أن تنبع من الأشخاص؛ لأن مَنْ حَقُّه التأخر لا يصلح أن يتقدم على من حقه التقدم. فلا بد أن تصاغ الرؤية الإستراتيجية ممن هو أعلى مرتبة ومنزلة.

وفي الإسلام يؤمن أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الدين المنزل من الله، هو ما يمثل بالنسبة لهم الرؤية الإستراتيجية ليس في الدنيا وحسب بل في الدار الآخرة. ومن ثم يصبغ الإسلام: العقيدة، والقيم، والفكر، والشخصية والمواقف. وتكون الرؤية الإستراتيجية متناسقة ومتحدة ومتكاملة ومستقرة وصالحة لكل زمان ومكان وفي كل ظرف وحال.

لقد شملت تعاليم الإسلام وأحكامه كافة جوانب الحياة حتى جعل بعضهم يسأل صحابيًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: علمكم نبيكم كل شيء؟ فيرد الصحابي معتزًا: نعم! حتى الخراءة. (أي كيفية قضاء الحاجة) . وهي الكلمة التي صاغها أحد الدعاة المعاصرين في جملة: الإسلام قانون للحياة من كرسي الحَمَّام إلى كرسي الحُكَّام.

وهذا ما لا نتحرج منه.

فأين اليوم المسلمون الذين يقدمون الإسلام بهذه الروح؟ لقد صدق عدو (عاقل) حين وصف الإسلام فقال: نِعْمَ الدين لو كان له رجال! وقال عمر من قبل: لوددت أن لي ملء هذا المسجد ـ مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ رجالًا من أمثال أبي عبيدة عامر بن الجراح (أمين هذه الأمة) .

إن الإسلام «رؤية» استراتيجية في جوانب النفس البشرية ودورها في الحياة وما يحيطها. لكننا بحاجة إلى تقييم ذواتنا وتحديد موقعنا منه كخطوة أولى، قبل أن نحدد موقعه من الآخرين.

وبعض الناس يريد أن يصف جميع أحوالنا القائمة بأنها إسلام بل وإيمان، ويريد أن ننطلق بهذا الاعتبار في المواجهة والإعمار؛ وذلك تحت مبررات عدة أو تفسيرات متأوَّلة.. كالواقعية.

وبعضٌ آخر يريدنا أن نصل إلى الإسلام من السبل الأخرى التي أوصلت غيرنا إلى ما هم فيه؛ فهي الكفيلة في نظره للحل الذي بوجوده نتمثل الإسلام، فيظهر: الإسلام الديمقراطي، والإسلام الاشتراكي، والإسلام القومي، والإسلام الوطني، والإسلام المصلحي، والإسلام العقلاني،.... إلى ما هنالك في سبيل الوصول إلى الإسلام الرباني.

ويُكرَّر الخطأ ذاته، حيث يُضفى مسمى الإسلام على مبادئ وقيم منحرفة.. هي جزء من البلاء وأساس في الداء.

إن المشكلة في هذه الأزمات أنها لا تترك لأحكام الإسلام أن يُتعامَل معها وتُجَلَّى ويُحكم عليها، ولا تُترك للمختصين من أهل الفقه والعلم الشرعي باعتبارهم المختصبن بهذه المسائل.. نعم! قد يوجد لديهم قصور، هذا وارد؛ لكن على الأمة والمختصين الآخرين في مجالات العلوم الأخرى أن يشاركوهم في توصيف الواقع كما هو، لا كما نريد أن نفهمه نحن.

ومثال على ذلك (السلام مع العدو الصهيوني) فهو سلام في عقولنا نحن فقط، في تحركنا نحن فقط، لكنه كما يبدو عند العدو شيء آخر غير الذي نقصده ونريده، إنه انهزام.. استسلام.. أي شيء يجرنا إلى الذل؛ لكنه ليس سلامًا بالتأكيد.

فإستراتيجياتنا لا بد أن تقوم على نظرة حقيقية للواقع كما هو فعلًا، لا كما نتخيله في أذهاننا أو نراه في أحلامنا، وإذا خلطنا بين هذا وذاك كان السير على «خارطة الطريق» مهلكة محققة، ولن نجني منها لا بلح الشام ولا عنب اليمن.

وعليه فإن معرفة الواقع، معرفة دقيقة، وفهم اتجاهه وحركته، وفقه السنن التي يجري في ضوئها وأسباب التغيير ونقاط التحول وعوامل التأثير التي تشكله والعلاقات التي تحكم الروابط بين أجزائه ومكوناته هي الخطوة التي بوسعنا أن نشارك فيها جميعًا بصدق وأمانة.

3 الدراسات الإستراتيجية، وما ينبغي أن تقدمه:

للوطن العربي والإسلامي خصوصيته الحضارية والعقائدية والفكرية والأخلاقية، وله مساره التاريخي الطويل الذي يمتد إلى 15 قرنًا، وله ظروفه التي تحيط به؛ ولا بد أن نراعي هذه الجوانب ونعطيها قدرًا من الاهتمام.

لذا فإن في تقديري أن على الدراسات الإستراتيجية أن تراعي الجوانب التالية:

1 ـ أن تصاغ الدراسات وفق مبادئ وقيم و «رؤية» الإسلام الكلية والشاملة، وأن تُضبط مفاهيم ومصطلحات الدراسة في هذا الإطار؛ بحيث تسمى الأمور بمسمياتها الحقيقية؛ سواء كان ذلك في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، أو غير ذلك.

2 ـ أن تعطي هذه الدراسات البعد التاريخي حقه من التأمل والتدقيق والتحقيق حتى تُنسب الظواهر إلى أسبابها البعيدة والغائبة إن وجدت، وأن لا تقتصر على توصيف الواقع فقط؛ لأن الواقع ثمرة الماضي؛ كما أن المستقبل نتيجة الواقع.

وقصقصة التاريخ أو عزله عن الدراسات الإستراتيجية، هو بتر «للرؤية» و تجزئة للحقيقة.

3 ـ أن يتم توصيف الواقع بمقاييسنا واصطلاحاتنا نحن، قدر المستطاع، ونفصل بين الأسباب والمسببات، والظواهر ونتائجها، والأحداث وأشخاصها، في سبيل تحليل وتفصيل مادة الدراسة إلى الحد الذي تتبين معه ماهيات الأمور.

ثم يعاد ربط هذه الجوانب في صورة متكاملة ومنطقية؛ وهذا يتطلب أن يوجد الخبراء في مجالات الدراسة وأن يُعْطَوْا حظهم من الوقت وفسحتهم من الجمع والدراسة والصياغة.

4 ـ أن تعد هذه الدراسات في ظل أهداف واضحة، لا نتائج مسبقة؛ فهناك فرق بين أن تطلب من فريق الدراسة للوصول إلى نتائج مسبقة.. وأن تحدد الهدف الذي لأجله تتم الدراسة، ألا وهو توصيف الواقع وتقديم الحكم له، أو الأزمة وإيجاد حلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت