فهرس الكتاب

الصفحة 898 من 3028

ولا يخفى على أهل العلم: أن من الخطأ المبين، أن يظن بعض الناس أن في نشر العلم والثقافات وحدها ضمانا للسلام، والرخاء، وعوضا عن التربية والتهذيب الديني والخلقي) ذلك (أن العلم سلاح ذو حدين، يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير) فكما يستعمل للخير، يستعمل كذلك للشر، فلا بد للعلم من تربية عالية، وتوجيه سديد، وإيمان راسخ يوجه المجتمع، وذلك أن وظيفة العلم محصورة في الجانب الحسي المحض. فهو يقف عند حدود لا يتجاوزها، بينما وظيفة الدين في الحياة ذات مجال رحب. فالإسلام بما حواه من هداية إلهية، وتشريعات سماوية، يكفل للمجتمع الإنساني، كل عوامل السعادة، والأمن والاستقرار، ولا يكون ذلك عن تشريع وضعي، يضعه فرد، أو جماعة معينة، ذلك لأن الإنسان مهما سما فكره، ونضج عقله، لا يمكن أن يحيط بكل ما يوفر للإنسانية أمنها واستقرارها.

لقد بين الله سبحانه وتعالى بالدين الإسلامي، وهو خاتم الرسالات الإلهية، ما هو حق وخير، في مجتمع شؤون الحياة، فهو لم يترك الإنسان سدي ، بل بين له الرشد من الغي، ووضعه على الجادة الصحيحة، والطريق السوي، فيما يختص بالعقيدة، والسلوك الفردي والاجتماعي، والعلاقات التي تربطه بغيره من الناس جميعًا، فالدين الإسلامي فيه صلاح الناس جميعًا، حتى الذين لم يرزقوا حظا وافرًا من التفكير العقلي السليم، ولذلك كان الوحي الإلهي رحمة عامة لجميع الناس، ولهذا نرى الدين ضرورة اجتماعية كما هو فطرة إنسانية.

والله الذي خلق الإنسان، وركب فيه طبائعه ونوازعه، هو الخبير بكل أدوائه، والعليم بوسائل شفائه، هو وحده الذي يقدر أن يضع للجماعات الإنسانية من الشرائع والنظم، ما يحقق لها أسباب السعادة، وجميع وسائل الأمن والاستقرار، وذلك بالدين الذي يدعوها إليه، فهو السلطان المهيمن على نفوس المؤمنين به، يحملهم على الأخذ بتعاليمه، ويدفعهم إلى القيام بما سنه لهم، من تشريع وتنظيم، ويدفعهم إلى التحلي بالفضائل، ويحول بينهم، وبين ارتكاب الرذائل، وليس هناك وراء الدين شيء يهيمن على النفوس، غير نظام خالق النفوس.

فالإسلام نظام رباني، يقوم على مبادئ سياسية، رضيها الله لعباده دستورا يقودهم في دنياهم إلى حياة كريمة، ويعدهم في أخراهم لميراث جنة عرضها السماوات والأرض.

فالإسلام هو الرابطة التي جمعت البشرية على الإيمان بالله واليوم الآخر، ذلك أن القصد من الدين ليس إلا تزكية النفس، وتطهير القلب، وظهور روح الامتثال والطاعة، واستشعار عظمة الله. وإقرار الخير والصلاح في الأرض، على أساس قوي متين، من ربط العبد بخالقه.

فهو إذن مطلب إنساني رفيع، يغذي جانب الروح ولا ينسى حاجة العقل، وبعبارة أخرى: هو مطمع العقل، وبعبارة أخرى: هو مطمع العقل، وغاية الروح، وبجانب ما للدين من وظائف نفسية، تجعل منه غذاءًا ضروريًا لقوى النفس، وعصارة مقومة لحيويتها، توجد له وظائف اجتماعية، لا يكون موضوعها الفرد، وإنما يكون موضوعها المجتمع ككل. وهكذا يتبين للباحثين والدارسين: أن العقيدة الإسلامية تعبر عن حاجات النفس الإنسانية، في مختلف ملكاتها ومظاهرها. ومن هنا تنبع حاجة البشر إلى الدين، من طبيعة الإنسان نفسه، فقد خلقه الله تعالى ومنحه طبيعة الكائن المتكيف، وعلى ذلك فحاجة الإنسانية إلى التدين نبتة فطرية أصيلة ركبت فيه، وفطر عليها، ولذلك يكون الدين هو الرقيب الذاتي داخل النفس، يدفع الإنسان إلى مراقبة الله، الذي يعلم السر، وما تخفي الصدور، فيكون دافع الدين والاعتقاد شاملا لجميع القوى المختلفة: الجسمية، والروحية، والنفسية، والخلقية والاجتماعية.

فالدين يزكي النفس، ويطهرها، ويحول دائمًا بين الإنسان، وبين نوازع السوء والضلال فيه. وذلك أنه يشعر دائمًا بمراقبة الله له في كل شيء، ومن هنا تزكو نفسه بفعل الخير وعمله، والبعد عن الشر، وهذا مبلغ ما ينبغي أن تسعى الإنسانية إليه.

فالإنسانية بحاجة إلى الدين، لأنه جزء من فطرة الإنسان، وطبيعته ولا يمكن لإنسان عاقل أن يستغني عن جزء من فطرته وكيانه، فهو الوسيلة الوحيدة التي نأمن مخاطرها، ونضمن نتائجها، لتحقيق الحياة الإنسانية. . فالدين يقيم نظامًا يدعو إلى الفضيلة واعتناقها، كما يقيم دستورًا حكيمًا يحفظ للإنسان إنسانيته، كما يحفظ له نفسه وماله.

وكما أن حاجة الإنسانية إلى الدين لحفظ النفس، والمال، والعرض كذلك فإن الإنسانية في حاجة إلى الدين، لتربية الإنسان، الذي كرمه الله تعالى فقال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) (التين:4) وقال تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا ) (الإسراء 70) .

وعلى ذلك فإن احتياج الإنسان إلى العقيدة نزعة فطرية ركبت فيه، وفطر عليها. ومن هذا المنطلق يصف القرآن الكريم الدين أنه الحياة، وبأنه النور الذي يضيء للسالك الطريق، قال تعالى: (أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) (الأنعام:122) .

فالعقيدة تقوم من المجتمع مقام الروح من الجسد، ولسعادة المجتمع لا بد من العقيدة الصحيحة، التي تنير الطريق، وتحدد أسلوب معاملة الفرد للجماعة والجماعة للفرد.

ولقد كان لهذه العقائد والأصول والمبادئ الإنسانية، التي قام الإسلام عليها، ولما قام عليه هذا الدين من المساواة والعدالة، والإحسان، كان لذلك أثر بالغ في سرعة انتشاره، وحسن تقبل الناس له في أقطار العالم المختلفة، كما كان ذلك من العوامل الحاسمة، والأسباب القوية، فيما أدركه الإسلام من عز، ومجد، وسلطان، سعد به العالم الذي عاش تحت لوائه.

فمن طبيعة المنهج الذي يرسمه هذا الدين، ومن حاجة البشرية لهذا المنهج، نستمد يقيننا الذي لا يتزعزع، في أن المستقبل لهذا الدين، المتعطشة إليه البشرية جمعاء.

فالعقيدة هي أساس قيام المجتمع، وأساس صلاحه أو فساده، بل هي أساس بقائه واستمراره، فهذا الدين في حقيقته النقية المصفاة، له أثره المبارك في تهذيب النفس، وإسعاد الإنسان، وتوجيه الحياة وجهة الحق والخير، إن الدين ضرورة من ضرورات الإنسانية الراشدة، لا تغني عنه فكرة عقلية، ولا تنظيم وضعي) قال تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به، فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطًا مستقيما ) (النساء:174-175) .

لقد كان الإنسان في الماضي يعبد ما لا ينفع، ولا يضر، وكان يخاف من كل شيء، فجاء الدين الحق، ودعا الناس إلى التحرر من خوف غير الله، وما عداه من المخلوقات، وبهذا تغيرت نظرة الإنسان إلى كل شيء.

إن الباحث: إذا تأمل أحوال الإنسانية في هذا العصر، فسوف يجد أنها في أمس الحاجة إلى الإسلام.

فالحضارة الغربية وصلت إلى أعلى مستوى من الرقي العمراني، والتقدم العلمي الهائل، ولكن قصة البشرية - برغم التقدم الحضاري - فيها مساوئ كثيرة، زلت فيها أقدام البشر، وضاعت عقولهم. فقد أطلقت الحضارة الغربية حرية الإنسان، وحررت غرائزه من كل ضبط، وتحولت الحريات إلى انحراف في الغريزة، وإلى شذوذ في الطبيعة، وإلى عدوان على حريات الآخرين، ونتيجة لهذه الحرية لم يعد هناك ضابط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت