فهرس الكتاب

الصفحة 897 من 3028

ومن هذا يتبين: أن الدين للإنسان من الشؤون الضرورية التي لا حياة له إلا بها والله سبحانه وتعالى قد خلق الناس، ولم يتركهم وشأنهم، بل اختار لهم نظمًا وأحكامًا، تسعدهم في الدنيا والآخرة، وذلك لأن الإنسان عاجز عن إدراك المغيبات، ويتأثر تفكيره بمؤثرات من الزمان، والمكان، والمجتمع، وهو عاجز عن حمل غيره على طاعته، لعدم قدرته على القهر الذي يحمل الناس على كامل الطاعة، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى في كل أمة رسولا منها، وأيده بالمعجزات، وأمده بتعاليم السماء، لينشر الخير، ويعالج الشر (لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرُّسل وكان الله عزيزا حكيما ً) (النساء 165) ، وقد شرع الله تعالى لخلقه ما يناسب حالهم، ويتلاءم مع ظروف حياتهم، وقوة إدراك عقولهم، وقوة احتمالهم.

وإذا كان الدين والتدين أمرًا غريزيًا وفطريًا في الإنسان، في كل زمان -كما عرضنا- فإن الدين الإسلامي هو: الدين الحق، الذي رضيه الله تعالى للناس جميعًا. والآية الكريمة التي عدت الدين عند الله الإسلام: (إن الدين عند الله الإسلام... ) (آل عمران: 19) تعني: مجموعة المبادئ الإسلامية وتعاليم الإسلام. . فالإسلام مر بمراحل كثيرة عبر أنبياء الله ورسله، إلى أن انتهى إلى المرحلة المتكاملة في رسالة محمد - عليه الصلاة والسلام - التي جاءت إلى الإنسانية كلها -إذن- رسالة الإسلام هي الإسلام الشامل للإنسانية، في وحدة إيمانها بالله، قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا ) (المائدة:3) ولهذا كان الإسلام يشتمل على امتداد زماني في المعتقد الديني، ويعرض لقضية البشرية من نشأتها إلى غايتها، ويشتمل على شمول موضوعي يغطي مجالات الحياة جميعًا، ويشتمل على شمول يضم الأديان كلها، ويدعوها إلى تصحيح معتقداتها).

فالديانات وإن تعددت في الفروع والتكاليف والأعمال، فقد اتحدت في المصدر الذي صدرت عنه، وهو الله تعالى -واتحدت أيضًا- في الأصل الذي دعت إليه، وهو التوحيد.

فالقدر المشترك بين الديانات جميعا هو: تصحيح العقيدة أولا، ثم معالجة الأمراض الخلقية والاجتماعية الموجودة في تلك البيئات، قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) (النحل:36) ، وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لاإله إلا أنا فاعبدون ) (الأنبياء:25) وقال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه... ) (الشورى:13) .

ولقد جاء الإسلام في جانبه الإيماني، يؤكد هذه الأسس، التي أكدها كل نبي، ولكنه في الجانب الذي يستتبع الشريعة، جانب الالتزام والعمل، كان الإسلام الفصل الأخير في تكامل التشريعات.

وهذا الطابع الشمولي الملتقي في أسس العقيدة، والمتكامل في التشريع، هو الذي جعل من الإسلام الصيغة الوحيدة الباقية المستمرة أبد الدهر، ولعل هذا هو السر الذي جعل من الإسلام كلمة تختص بالدين الذي جاء به رسول الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم.

وكلمة الإسلام، وفي الإطار اللفظي تعني: التسليم والخضوع، وفي مفهوم الدين يراد منها: التسليم، والخضوع لله وحده، لا شريك له، وبهذا المعنى، أطلقت على كل من آمن بالله، وسلم لأمر الله، فأتباع كل نبي، وكل من يدين لله من أصحاب الأديان السماوية الحقة، هم مسلمون بهذا المعنى.

ووحدة الإيمان حقيقة تفرضها وحدة المصدر بصورة قاطعة، لا تقبل الجدل أو التشكيك، ولا يغير من واقعها وجود فواصل البعد الزمني بين الأنبياء، الذين أرسلهم الله إلى عباده.

فالإيمان بالله سبحانه وتعالى ليس غريزة فطرية فقط، بل هو ضرورة، فالدين عنصر ضروري، والإنسانية بحاجة إليه، للكمال النفسي، والروحي. فالإنسان جسم وروح، والجسم يتغذى بالطعام، والشراب، بينما تتغذى الروح بالإيمان، والعقيدة، وعلى ذلك فالإسلام منهج شامل لأمور الدنيا والآخرة، محقق لمصالح الفرد والجماعة، قوامه الشريعة والعقيدة والأخلاق، فليس دينًا فقط، ولكنه دين ونظام حياة، لا تنفصل فيه العلاقة بين الله والإنسان، عن الصلة بين الإنسان والإنسان، وهو ينظمها جميعًا.

فالعقيدة الإسلامية ضرورة للإنسان، وذلك لرفع مستواه والمحافظة عليه من الانحراف المادي والإلحادي.

ومن القواعد المقررة أن الإنسان مدني بطبعه، ومعنى ذلك أن الإنسان بفطرته، يميل إلى التعارف، والتعايش مع غيره، ولذلك جعل الحق سبحانه وتعالى التعارف بين الناس، من أهم أسباب خلقه لهم، إذ قال سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ) (الحجرات:13) هذا التعارف ليس مقصودا لذاته، وإنما جعل أولًا: غذاءً لطبيعة الإنسان، وثانيًا: وسيلة للتعارف على كل ما فيه إسعاد البشرية، وتحقيق حياة أفضل لأفرادها في جانبها المادي والفكري، يبين ذلك المفكر محمد عبد الله دراز، فيقول: (إنه لا قيام للحياة في الجماعة، إلا بالتعاون بين أعضائها، وهذا التعاون إنما يتم بقانون ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته، وهذا القانون لا غني له عن سلطان نازع، ووازع، يكفل مهابته في النفوس، ويمنع انتهاك حرماته.

وعلى ذلك نستطيع أن نقرر -دون أن نجانب الصواب- أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين، أو تدانيها في كفالة احترام شرع الله، وضمان تماسك المجتمع، واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة، والطمأنينة فيه. والسر في ذلك، أن الإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات الحية، بأن أفعاله وأعماله الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده، ولا في عنقه، ولا يجري في دمه، ولا يسري في عضلاته وأعصابه، وإنما هو معنى إنساني روحاني اسمه الفكر والعقيدة. وقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع، وحسبوا أن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية، بل يتأثران بها.

وليست قوانين الجماعات، ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة، تحترم فيها الحقوق، وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن، أو العقوبة المالية، لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون.

والقانون إما إلهي، أو وضعي: لن لكل حضارة شطرين: شطرًا روحيا، وشطرًا ماديًا، فالشطر المادي يعتمد على الحس والعقل، وليس الأمر كذلك، فيما يتعلق بالشطر الروحاني أو النظري.

والشطر النظري: العقيدة والأخلاق، والتشريع، ونظام المجتمع ولذلك جاءت العقيدة الإسلامية كاملة هادية في الجانب النظري، فشملت التشريع، والأخلاق، ونظام المجتمع، ومن خصائص الوحي فيما يتعلق بالتشريع: أنه هاد للعقل، وكما أن الدين هاد للعقل، كان لا بد في استخدام العلم، من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية، وعمارة الأرض، لا إلى نشر الشر والفساد، ذلكم الرقيب هو: العقيدة والإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت