ولا شك أن إدراكنا لضرورة الإسلام لنا، ولغيرنا، يفتح أعيننا على مكانتنا، كما ينبهنا إلى موقعنا ومركزنا.
وجدير بنا، ونحن نخطو على مجد نسعى إليه، أن نتعرف على حقيقة الإيمان. فإذا وقفنا على هذه الحقيقة، وتعلقنا بها كان لنا دور.
ومن شأننا ونحن نتابع الخطى، أن نعرف ما الذي نأخذه من الأمم غيرنا، وما الذي لا يصلح لنا.
ويجب أن ندرك أن إعداد القوة، ضرورة من ضرورات الحياة، حتى يتم النمو، ويكمل البناء.
ضرورة الإسلام
إن الإنسان آية الله في خلقه، طبعه ربه على هذا النحو العجيب، وفطره على هذه الصبغة الفذة، مقترنة بعديد من الغرائز والميول، وحينما تشده الأولى إلى زكاة النفس، واستواء الفطرة، وقصد السبيل، فإن الثانية تشده إلى النقيض تمامًا بتمام، وبين هذا وذاك يتطلع الإنسان ويرنو إلى ما يحفظ عليه نقاء معدنة وصفاء جوهره، وزكاة نفسه، وطهارة قلبه، واعتدال خلقه، وقصد سلوكه، ويجعله على طول الخط سوي المنهج، قويم السبيل، زكي الباعث، نبيل المقصد، متعلقا بمعالي الأمور، نائيًا عن سفافها، يتطلع إلى ذلك ويهفو إليه، فلا يجده إلا في رحاب الإيمان بالله وأحضان الطاعة له، وظلال القرب منه.
والإنسان بفطرته لا يملك أن يستقر في هذا الكون الهائل، فلا بد له من رباط معين بهذا الكون، يضمن له الاستقرار فيه، ومعرفة مكانه في هذا الكون، الذي يستقر فيه، فلا بد له إذن من عقيدة، تفسر له ما حوله، وتفسر له مكانه فيما حوله، فهي ضرورة فطرية، شعورية، تقوم بالتأصيل لجوهر الفطرة، ومتابعة بعثها، لضمان استمرار حركتها وعملها وانطلاقها.
ومن هنا: كانت حاجة الإنسان إلى العقيدة حاجة فطرية، مركوزة في فطرته، ومغروسه في شعوره، ومخلوطة بدمه وعصبه،ولكنه قد يضل عن إدراك هذه الحقيقة، فيشقى ويحار، ويفقد الاستقرار.
هذه الحاجة الفطرية في الإنسان إلى العقيدة، هي التي يتحقق بها إدراك الإنسان لحقيقة مقامة في هذه الحياة، ورسالته وعمله ودوره.
وقد أودع الله - سبحانه وتعالى - في الإنسان، ما يستطيع به إدراك الحقائق الكبرى في الوجود وندبه الله - سبحانه وتعالى - للقيام بمهمة التعرف على هذه الحقائق، التي يراها الحس والعقل والوجدان، في الآفاق وفي النفس، وفي كل شيء ففي الأرض آيات للمؤمنين، وفي السماء مثلها وأعظم. فالفطرة الإنسانية السليمة، هي التي تتوجه إلى الكون، بروح منفتحة، تكشف ما فيه من قصد، وتصميم وإبداع، وتنتهي إلى إدراك مكانها من هذا الوجود وتحديد كيفية سلوكها فيه، ومن خلال هذا التصور تتحدد علاقة الإنسان بربه -عز وجل-.
فالإنسان لا غني له عن الدين، لأنه يحسه في نفسه، شعورا ووجدانا ويشير إلى هذا الشعور ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة ) .
وقول الله تعالى: (وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) (الأعراف172-173) .
ففي هذه الآية: بين الله تعالى أنه أخرج من صلب آدم وبنيه ذريتهم نسلا بعد نسل، على هيئة ذر، وذلك قبل خلقهم في الدنيا وأشهدهم على أنفسهم قائلًا لهم: ألست بربكم، فأجابوا: (بلى شهدنا) بذلك، فالله سبحانه وتعالى- أشهدهم على أنفسهم قائلا لهم: ألست بربكم، فأجابوا: (بلى شهدنا) بذلك، فالله سبحانه وتعالى أشهدهم على ربوبيته، حتى لا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا التوحيد غافلين، أو غير عالمين.
فالإيمان بالله فطرة فطر الناس عليها وإنما يضلون عنها بعض الوقت، أو كل الوقت، ثم يعودون إليها، ولو عند فراق الحياة، أو عند نزول الكوارث والأحداث، فقد كان فرعون يدعي الألوهية، ويقول لقومه: (…أنا ربكم الأعلى ) (النازعات 24) . وسام بني إسرائيل سوء العذاب، وكفر بموسى، وإله موسى، ولكنه عندما أدركه الغرق قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ) (يونس 90) .
والمشركون بالله ، والكافرون به، في كل الأجيال، كانوا يعبدون الأصنام،ويستقسمون بالأزلام. فإذا مسهم الضر في البر، أو في البحر، لجأوا إلى الله يدعونه ويسألونه النجاة (وإذا مسّ الإنسان الضرُّ دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه) (يونس 12) .
ومن هذا يتبين: أنه يوجد في طبيعة تكوين الإنسان استعداد فطري لمعرفة الله وتوحيده، فالاعتراف بربوبيته متأصل في فطرة الإنسان ، وموجود في أعماق روحه، فقد أنشأهم الله على الاعتراف بالربوبية له وحده. (فالاعتراف بربوبية الله وحده، فطرة في الكيان البشري، فطرة أو دعها الله الخالق في هذه الكينونة، وشهدت بها على نفسها بحكم وجودهما ذاته. وحكم ما تستشعره في أعماقها من هذه الحقيقة، فالتوحيد ميثاق معقود بين فطرة البشر، وخالق البشر، منذ كينونتهم الأولى) .
والوجود كله عابد بطبيعته، منصاع لوظيفته، لا يسعه إلا أن يطيع ربه في ولاء لا يشوبه استنكاف، ولا يطاله تأب، بل إنه جميعًا من أعلاه إلى أسفله يهتف في البداية بلغة المقهور أمام عظمة القاهر. وهتاف العابد، تجاه قدسية المعبود، بما سجله الحق في قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخانُ فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين ) (فصلت 11) .
والإنسان وإن كان من طبعه أن ينسى أحيانًا، وأن يغفل، وأن يجحد أحيانًا، وأن يكفر، لأن امتزاج الروح بالجسد، وانشغال القلب بمطالب جسده، ومطالبه المختلفه، التي تستلزمها حياته في الدنيا، وعمارة الأرض ، قد جعلت من معرفة الإنسان بربوبية الله، واستعداده الفطري للتوحيد، عرضة لأن تطمره الغفلة، ويغمره النسيان، ويطويه الاشعور في أعماقه، ويصبح الإنسان في حاجة إلى ما يوقظ هذا الاستعداد الفطري، ويبعد عنه النسيان، ويبعثه من أعماق الاشعور، فيظهر جليا واضحا في الإدراك، والشعور، ويتم ذلك عن طريق تفاعل الإنسان مع الكون وتلك فطرة فطر الله الناس عليها، وصبغة صبغهم بها، لا فكاك لهم منها، ولا شذوذ لهم عنها.
فعاطفة التدين، أو الاعتقاد بدين من الأديان، أمر غريزي، ويشترك بين الناس عامة في كل عصر ومكان، فإنه لم تخل جماعة من الناس في أي زمان، من عقيدة دينية على نحو ما - (وقد أثبت التاريخ أنه قد وجد في الماضي السحيق جماعات إنسانية من غير فلسفات وعلوم وفنون. ولكن لم توجد قط جماعة إنسانية من غير دين) إذ لا بد في حياة الناس من نظم تلم شتاتها، وترفه حياتها، وتضمن لها أسباب النهوض والتقدم، ويعيش الناس في ظل هذه النظم على قواعد الحق والعدل، في أمن وسلام، وقد كرم الله الإنسان بالعقل لكنه أودع فيه نفسا أمارة بالسوء، وهو يعيش في صراع بين عقله الهادي إلى الصلاح، ونفسه الأمارة بالسوء، فكان من تمام نعمته عليه، أن وضع له النظم التي توصله إلى التغلب على النفس، وسد منافذ الشيطان إليها، فحمله أمانة التكليف، وأخذ عليه العهد، بأن يعبده، ولا يشرك به شيئًا، وأمده بهداية الرسل -عليهم الصلاة والسلام-.
إذن (لكي تتحقق الحكمة الإلهية في خلق الإنسان، ويتبين المصداق الحق لقوله تعالى إرشادا للملأ الأعلى:(…قال إني أعلم ما لا تعلمون... ) (البقرة30) ، كان لا بد لقوة الخير في الإنسان من مدد يعينها على سد منافذ الشر والطغيان).