فهرس الكتاب

الصفحة 895 من 3028

لقد نجحت الحملات التي قامت بها مؤسسات الغزو الفكري الغربي في تحقيق أغراضها نجاحا بعيدًا، حين ضمت إليها فئات مثقفة من المسلمين، وجعلتها في صفها تحارب الإسلام وثقافته. وأكثر من هذا، إن هؤلاء المثقفين صاروا يستنكرون الثقافة الإسلامية، إذا تناقضت مع الثقافة الغربية. وصاروا يستمرئون الثقافة الغربية تناقضت مع الثقافة الغربية. وصاروا يستمرئون الثقافة الغربية ويتعشقونها. ويتجهون في الحياة طبق مفاهيمها.

لقد أقبل الكثير من المسلمين على ثقافة الغرب يدرسونها ويطبقونها ويتسابقون في الأخذ بها. واستجاب المسلمون إلى الدعوات العنصرية حتى صارت على لسان الكثيرين. وحتى صارت الإقليمية الضيقة هي المرتكز لأي عمل، في أي اتجاه، سياسيًا كان أم اقتصاديًا أم فكرياًّ. إن هناك حربا تشن على العقائد الموروثة، وعلى المسلمات التي تتصل بالوحي والبعث. وهناك فلسفات مطروحة، ترمي إلى إلغاء القيم الثوابت، وإقامة التطور المطلق، وتجاوز الروح، وإقامة المادة وحدها، وإلغاء الضوابط الأخلاقية والمسؤولية الفردية والدعوة إلى رفع الوصاية عن الشباب. . بل هناك دعوة صريحة أعلنت خطتها بإخراج العرب والمسلمين من إطارات الدين، ودعوتهم إلى علمنة الذات العربية. وهناك دعوات إلى إعادة طرح الأساطير، والإباحيات في أفق الفكر الإسلامي عن طريق القصة، والمسرح، والصحافة. وهناك دعوات تزين الباطل وتزخرفه، ودعوات تحول الشر إلى صور براقة زاهية..

أهداف الغزو الفكري

سوق الأفكار أخطر أسواق المنتجات، وأكثرها تقبلا للتزييف والإفساد، ومن ثم حفلت أسواقنا، بما هو أشد فتكًا من السموم، وأعظم انتشارًا من الهواء. يتخلل كل خلية وينخر في كل بناء. أفكار ترتدى أثوابًا، أو تحمل شعارات، أو ترفع مشاعل. ليس الثوب فيها، أو الشعار، أو المشعل، إلا قناعًا يستر الزيف الخطر.

إن هذا الغزو الفكري الذي يجتاح الشعوب الإسلامية يهدف فيما يهدف إلى:

(1) أن تظل الشعوب الإسلامية خاضعة لنفوذ القوى المعادية لها. . تلك القوى التي تتمثل في عدد محدود من الدول الكبيرة، التي تحمي بعضها بعضًا، ويتبادل ساستها الدفاع عن المصالح، التي تهم أي طرف من أطرافها.

(2) أن تظل بلدان العالم الإسلامي خصوصًا، والعالم النامي عمومًا تابعة لتلك الدول الكبيرة المتقدمة، ، تبعية غير منظورة، وفي هذه التبعية يكمن دهاء تلك الدول المتبوعة وذكاءها، فليس أقتل للشعوب من أن تحس بالحرية والاستقلال، بينما هي ترسف في قيود الذل والتبعية. وليس أضيع لمستقبل أمة من الأمم أن تعجز عن أن تخطط لمستقبلها ومصيرها إلا وهي دائرة في فلك دولة كبيرة واهمية ذاهلة عن حقيقة ما تعانيه من تبعية.

(3) أن تتبنى الأمة الإسلامية أفكار أمة أخرى من الأمم الكبيرة دون نظر فاحص، وتأمل دقيق، مما يؤدي إلى ضياع حاضر الأمة الإسلامية في أي قطر من أقطارها، وتبديد لمستقبلها فضلا عما في ذلك من صرف عن منهجها وكتابها، وسنة رسولها. . وما يترتب على هذا الصرف من ضياع أي ضياع. إذ لا يوجد مذهب سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يغني الأمة الإسلامية عن منهجها الإلهي. ونظامها الشامل المتكامل، في كل زمان ومكان.

(4) أن تتخذ الأمة الإسلامية مناهج التربية والتعليم، لدولة من هذه الدول الكبيرة، فتطبقها على أبنائها وأجيالها، فتشوه بذلك فكرهم، وتمسخ عقولهم، وتخرج بهم إلى الحياة، وقد أجادوا بتطبيق هذه المناهج عليهم شيئًا واحدًا، هو تبعيتهم لأصحاب تلك المناهج الغازية أولًا. ثم يلتبس الأمر عليهم بعد ذلك، فيحسبون أنهم بذلك على الصواب. ثم يجادلون عما حسبوه صوابًا ويدعون إليه، وهم بذلك يؤكدون تبعيتهم من جانب آخر، فيعيشون الحياة وليس لهم منها إلا حظ الأتباع والأذناب.

(5) أن يحول العدو بين الأمة الإسلامية وبين تاريخها وماضيها وسير الصالحين من أسلافها، ليحل محل ذلك تاريخ تلك الدول الكبيرة الغازية ، وسير أعلامها وقادتها.

(6) أن تزاحم لغة الغالب لغة المغلوب، فضلًا عن أن تحل محلها أو تحاربها بإحياء اللهجات العامية أو الإقليمية، وما دام الإنسان لا يفكر إلا باللغة فإن إضعاف لغة أمة هو إضعاف لفكرها.

(7) أن تسود الأمة المغزوة أخلاق الأمة الغازية، وعاداتها وتقاليدها.

(8) تصوير تراث الأمة الإسلامية بصورة التخلف، وعدم قدرته على إمداد الحضارة بشيء مفيد. وأنه لم يكن له فضل على الحضارات التي جاءت بعد.

(9) إحياء الجوانب الضعيفة في التراث الإسلامي خاصة فيما يتعلق بالخلافات السياسية التي وقعت بين المسلمين أنفسهم، والتركيز على دعوات الحركات الباطنية، وإخراجها بصورة جميلة مضيئة، ووصف هذه الدعوات بأنها كانت تحمل فكرًا عاليًا، وفلسفة عميقة.

(10) إضعاف مثل الإسلام وقيمه العليا من جانب، وإثبات تفوق المثل الغربية وعظمتها من جانب آخر، وإظهار أي دعوة للتمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر.

(11) تشكيل المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري، بدعوى أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان، ولم يكن العرب والمسلمون إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها.

(12) إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم عن طريق إحياء القوميات التي كانت لهم قبل الإسلام. وإثارة الخلافات والنعرات بين شعوبهم.

(13) اقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين، وصرفهم عن التمسك بالإسلام نظامًا وسلوكًا.

(14) تفريغ العقل والقلب من القيم الأساسية، المستمدة من الإيمان بالله. ودفع هذه القلوب عارية أمام عاصفة هو جاء تحمل معها السموم عن طريق الصحافة والمسرح والفيلم والأزياء والملابس

بدايات وبناء ضرورة الإسلام

بعد أن اتضحت لنا أبعاد (الغزو الفكري) وتياراته، وحركاته، التي تعمل ليل نهار، يبقى أمامنا السؤال الكبير: ماذا فعلنا نحن ما موقفنا من الغزو الفكري؟ إن جزءًا كبيرا من الغزو الفكري، حركة فكرية هائلة، وما تنتجه هذه الحركة، يخصنا نحن المسلمين، ويخص عقيدتنا، ولغتنا، وتراثنا، وتاريخنا وذاتيتنا.

وإن جزءًا كبيرًا آخر من الغزو الفكري، حركة عملية هائلة، تأخذ المواقع، وتسيطر على القلوب.

والغزو الفكري بحركته الفكرية والعملية، من أخطر ما نواجه في حياتنا، لأن ما يقوم به من أهداف تقوض الدعائم، يتعلق بأعمق أعماقنا، عقديًا، وفكريا، وحضاريًا ، وليس هناك أمام المسلمين من سبيل إلا المواجهة وقبول التحدي وإثبات الذات وإلا فلسنا جديرين بالحياة.

ولا يخفى على أحد أن السعي إلى إثبات الذات، والعمل على مواجهة هذه التحديات والتيارات الغازية دليل صحة، ودليل صحوة. . . -إذن- لا بد من منهج.

والمنهج الصحيح هو أن نواجه الفكر بالفكر، والعمل بالعمل.

ولكن قبل أن نواجه الغزو الفكري، لا بد من بناء شخصيتنا، وتحصين أنفسنا، لنصبح ممنوعين من تأثير الغزو، ليست عندنا قابلية له. . وإذا تحصنا، لم يعد للغزو تأثير فينا.

ولعل أخطر ما استهدفه الغزو الفكري، الذي تسلط على المجتمعات الإسلامية هو هدم شخصية المسلمين، هدما عقديا، وثقافيا، وفكريًا.

ولا يخفى أن انهدام الشخصية، يساعد على قبول الزيوف والأباطيل. كما يدفع إلى التبعية والذوبان.

ولهذا كان لا بد لنا إذا رغبنا أن لا تؤثر فينا مخططات المتربصين، أن نبني شخصيتنا. بحيث تكون مصبوغة بصبغة الإسلام. وموسوعة بميسم الإيمان (والشخصية المصبوغة بالإسلام، والموسومة بالإيمان) شخصية إيجابية، تعيش في حركة فكرية، ونفسية، وجسدية، بناءة، تعطي، وتأخذ، وتعطي أكثر مما تأخذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت