وكان يوم مذاكرتي للشريعة هو يوم نزهتي وتأثرت من أساتذة الشريعة بالشيخ عبد الوهاب خلاف، وما من كلمة قالها أو قرأتها له إلا وعيتها وأحببت أسلوبه وتأثرت أيضًا بالشيخ علي الخفيف بعمقه وتأصيلة الفقهي.
* لكن كيف بدأ اهتمامك بالعمل العام؟
** تخرجت عام 1954 وكان عمري تسعة عشر عامًا ونصف العام، وبعد ذلك بتسعة أشهر عينت في مجلس الدولة، وكان أبي قد توفي قبل ذلك بسنتين، وفترة السنوات الثلاث أو الأربع التالية لبداية عملي كنت متفرغًا للعمل وتصورت أن الجهد الذي يمكن أن أقوم به لا يكون إلا في القانون فقط، حتى قراءاتي المتعلقة بالفكر أو الأدب أو الفلسفة كنت أتصور أنها ستكون نوعًا من أنواع الثقافات المساعدة للتخصص القانوني البحت. وكان اتجاهي السياسي في هذه الفترة متعلقًا بالحركة الوطنية والاستقلال. وكانت هذه هي القضية الأساسية التي تجذبني، وكانت الفترة التي شهدت نموًا في شخصيتي هي الفترة من عام 1945 إلى عام 1952 ، وكان حزب الوفد في ذلك الوقت حزب حركة سياسية وكان في المعارضة وكنت أتعاطف مع هذا الموقف المعارض، ومع ذلك لم انضم إلى الوفد، فلم تكن من عاداتنا أنا وأبي وجدي الالتحاق بالجماعات والأحزاب فالفكرة الحزبية ليست من الأشياء الموجودة في تكويني وقد نفعني هذا حين عملت قاضيًا، فكان لدي استقلال في الناحية السياسية، وإن كان هذا الاستقلال لا يمكن أن يتحقق من الناحية الفكرية، فلابد أن يكون الإنسان منحازًا من الناحية الفكرية، وفي السنوات الأربع الأولى لعملي في مجلس الدولة قرأت كثيرًا بحماس شاب وصحة شاب، أوغلت في القراءة، عرفتني مكتبة محكمة النقض، ومكتبة نقابة المحامين، ومكتبة مجلس الدولة وقرأت أهم ما كتبه جيل الآباء من رجال القانون، وقرأت في المجلات القانونية المتخصصة مثل المحاماة والحقوق وكنت أعالج الموضوعات التي تأتي لي في العمل معالجة تهتم بالعمق النظري والقراءات الخارجية.
* كيف كان اختيارك لطريق العلمانية؟ وكيف تحولت من العلمانية إلى الإسلام؟
** بعد تخرجي ونتيجة لقراءاتي كانت علاقتي بالعلمانية أنني أقرؤها بدون أن أعاديها لكن الكتابات العلمانية الفجة أو المغالية كنت أشعر بشيء من الغضاضة نحوها، ولم يكن في ذهني أن هذا ضد الإسلام. والخصومة مع العلمانية لم تكن حادة وواضحة إلى هذا الحد الذي هو قائم الآن. وقويت قراءاتي باللغة الإنجليزية وكان لدى إلمام بالتاريخ الأوروبي السياسي وبحركات السياسة الموجودة، وتعمقت هذه المعرفة بالتكوين الفكري الفلسفي والاقتصادي وخرجت من مجموع هذه القراءات علماني الفكر السياسي، وقد صاحبتني هذه الفترة في حياتي لمدة عشر سنوات من عام 1960 حتى عام 1970 وأبرز قراءاتي كانت في الفكر السياسي الغربي وفي حركات السياسية الغربية وفي حركات الاشتراكية وتجارب ثورات العالم، وكانت أيامها حركات التحرر في العالم منتصرة ودول عدم الانحياز قوية، وبدأت كتاباتي في الحركة السياسية وبدأت أكتب في مجلة الطليعة ككاتب عام 1964- 1965، والنشر في هذه الفترة كان متقطعًا ومحدودًا كما هو حادث الآن، وكتابي الحركة السياسية بمقدمته يوضح كيف كنت أفكر، فكان تفكيري تفكيرًا وطنيًا فيه فكرة الاشتراكية قوية من حيث أنها عدالة اجتماعية ومن حيث أنها بناء وطني مستقل من الناحية الاقتصادية والسياسية.
وإذا نظرنا في الصلة بين الفترتين السابقة وهذه الفترة نجد أن تفكيري في الناحية السياسية بدأ بفكرة الاستقلال الوطني السياسي لكنه متصل بحركة استقلال عالمية وبوحدة عربية وبحركة بناء اقتصادي مستقل وقوي في الداخل، ففكرتا الاستقلال السياسي والاقتصادي أصبحتا مندمجتين ولم يكن في ذهني بعد العنصر الثالث وهو الاستقلال العقيدي. كنت علمانيًا قحًا في الفكر السياسي لأنني أكره التضارب والخلط وكان لدي فكر إسلامي في أمور ثلاثة رئيسية هي معرفتي بالفقه والفقه يقودني إلى الشريعة وهذا الأمر بقي لي كأساس مهني واحترام بالغ لدور الفقهاء الإسلاميين وقدرتهم غير العادية كنسق قانوني.. والأمر الثاني يتعلق بالرزق الذي ظل دائمًا في قلبي وعقلي أنه يتعلق بقدر الله سبحانه.. ولم أشعر أني أعمل العمل العام مقابل أجر وإنما على أساس أنه واجب والأجر هو رزق يأتيني من عند الله .. والأمر الثالث هو الصحة والموت وأنهما أمر مرهون بقدر الله.
* هل كانت هناك محطة تاريخية معينة وراء دخولك باب العمل العام والمشاركة السياسية؟
** اعتقد أن حرب 1956 نقلتني نقلة غير عادية في حياتي لأن تأميم قناة السويس والأزمة الدولية الكبيرة التي حدثت ثم الغزو الثلاثي كل ذلك فعل بي الأفاعيل وصرت أشعر أن ما أصنعه يمكن بعمل عسكري واحد أن يتغير بل ويتغير المجتمع وينقلب ويتحول كل السياق التاريخي، فكل ما نصنعه نضعه على أرض يمكن أن تتغير بعمل عسكري واحد وهذا ما أدخلني إلى السياسة بمعناها الحديث وليس مجرد الحركة الوطنية والاستقلال، فقد دخلت إلى مشكلتين الأولى سألت نفسي هل أنت رجل قانون فقط وتريد أن تكون كذلك فقط؟ أم أن هناك مجالات أخرى في المجتمع تنادي من لديه إمكانية أن يتقدم؟ ولأول مرة تطرح لدي فكرة المشاركة في الشأن السياسي وشعرت بأنني سأكون آثمًا لو لم أفعل، لأننا مواطنون ثم مهنيون، والاقتصار على المهنة فيه تفريط في حق الوطن ولكي أصل إلى هذه الصيغة كنت أنقل نفسي من حال إلى حال، ومن عاطفة إلى عاطفة، فكان الأمر نقلة قلبية وعاطفية وفكرية ونقلة في الاعتياد تأخذ وقتًا وقلقًا، وبدأت أعزز مكتبتي بالكتب الحديثة عن الفكر السياسي والحركات السياسية وعن التاريخ على مدى شهور طويلة وسنوات ولم يحسم هذا الأمر بين يوم وليلة وإنما أخذ مدى حتى عام 1958.
* لكن ما هي المحطة التاريخية والنقطة الفارقة التي جعلتك تنجذب ناحية الإسلام؟
** إذا كانت حرب 1956 جعلتني أقف وأفكر فإن حرب وهزيمة 1967 جعلتني أفكر مرة أخرى لأسال نفسي عن مسلماتي وسألت نفسي من أين أتت الهزيمة، هل لأن الاستعمار ضربنا؟ أم لأننا كانت لدينا قابلية لذلك، ولم أكن أشك في وطنية عبد الناصر. ومن هذه النقطة بدأت أفكر في كتابي الحركة السياسية وبدأت قراءاتي تختلف وبدأ فكري يختلف وبعد أن كان الاهتمام بالأدب العربي ثم الأدب الأجنبي والمسرح والقصة فقدت اهتمامي بالمتابعة الأدبية وأصبحت أشعر أنها لا تغذيني ولا تجيب على الأسئلة التي في ذهني وبدأت أسأل نفسي: من نحن؟ إننا نريد أن نستقل، أي أن تكون إرادتنا السياسية ملكًا لنا، وإذا أردنا ذلك فعلينا أن تكون لقمة عيشنا ملكًا لنا أيضا، ولكن قبل ذلك هناك مجموعة من العقائد وشعور الجماعة بتميزها وبترابطها وبإحساسها بالانتماء المشترك، لكن من أين يأتي هذا؟ أنه يأتي من الجانب العقيدي والتاريخي والحضاري والصيغة العلمانية لم تعطه حقه. إن العلمانية حينما تقول لي استقل سياسيًا واقتصاديًا تفقدني الهوية التي بها استقل وتفقدني إرادة الاستقلال، فاستقلالي هنا لا يكون بإرادة استقلال حقيقية، ومن هنا بدأت استعادتي لهويتي وبدا لي الفكر العلماني في مأزق لأنه يؤدي إلى تجريد الإنسان من هويته المرتبطة بعقيدته وحضارته، بالإضافة إلى أنها مناقضة لقيم الديمقراطية لأن الديمقراطية في النهاية تكوينات شعبية لها استقلالية ذاتية في إدارة شئونها الخاصة وانصياع لحكم الغالبية من الناس الذين قد اختاروا الموقف الديني والموقف العقائدي أساسًا لرؤيتهم ودنياهم.