فهرس الكتاب

الصفحة 2783 من 3028

والقانون الذي يحرم دفع الفوائد المصرفية في نظام اقطاعي، لا يحرم الربا، بل يحارب الادخار، إنه لا يستطيع أن يمنع عمليات الربا الحقيقية، مثل التلاعب بالاسعار، واحتكار السلع، وزيادة الرسوم الجمركية، ورفع نسبة العمولة، لأن هذه العمليات تتم فوق رأس القانون، داخل غرف مغلقة، تحت حراسة رسمية من رجال القانون بالذات.

والقانون الذي يحرم الاختلاط بين الجنسين، ليس تشريعًا دينيًا ضد الرذيلة، بل حلًا اقطاعيًا لتمرير الرذيلة بضمان من الشرع. فمنع الاختلاط يغلق باب العمل الشريف في وجه المرأة، ويحرمها من حقها في التأهيل المهني، ويجعل جسدها هو سلعتها الوحيدة القابلة للتسويق، مما يحيلها بقرار"شرعي"إلى مخلوق معاق، يتوقف بقاؤه على بقاء الاقطاع بالذات. ووراء جدران البيت الاقطاعي، تتحول المرأة إلى جارية، وتسري عليها شريعة الجواري، من إنكار حقها في الطلاق إلى إنكار حقها في الهرب، وإلزامها بالعودة إلى بيت الطاعة تحت حراسة الشرطة.

والقانون الذي يمنع القمار والخمر في مجتمع اقطاعي، لا يمنعهما فعلًا، بل يجعلهما لعنة ضرورية. فالمواطن لا ينفق حياته في شرب الخمر ولعب الورق، لأنه رجل فاسد، بل لأن حياته نفسها فاسدة، وجوفاء وكئيبة، ولا تحوي شيئًا مفيدًا أصلًا. وهي كارثة تحيق بحياة الناس في ظل الاقطاع بالذات، وتنشر روح الضياع بينهم، وتحيل جلسات الخمر والقمار إلى منافذ سهلة للهرب. وإذا شاءت الشريعة أن تدين هذا الواقع من دون أن تدين أسبابه، فإنها لا تحد من انتشار الخمر والقمار، بل تجعلهما وباءً سريًا.

فالإسلام الذي يبشر به القرآن، ليس شريعة تطبقها دولة، بل دولة أخرى في حد ذاته: إنه نظام محدد في الحكم، يقوم على مبدأ الشرع الجماعي، ويعتمد ادارة جماعية، تنعقد للعمل في يوم اسمه يوم الجمعة، تحت قبة برلمان رسمي اسمه الجامع. وإذا شاءت الأحزاب الدينية أن تطوع هذا الشرع الجماعي لخدمة رجل واحد، أو حزب واحد، فإن النتيجة الوحيدة المتوقعة من وراء هذا السحر السياسي، هي أن تقوم الدولة الإسلامية، وتسقط دولة الإسلام.

تسقط حكومة الناس.

ويغلق الجامع أبوابه، ويغيب الحوار السياسي، ويخسر المواطن صوته، حتى يصبح مواطنًا أخرس، وغير مسؤول شرعًا عما يقال على لسانه بجميع الأصوات.

وبعد ذلك يسود الصمت.

ويفقد الناس حقهم في الاشراف على جهاز الدولة، فتتحول الميزانية العامة إلى ثروة خاصة، ويتحول الجيش إلى شرطة، وتصير الأمة مجرد"رعية"ويتبنى القضاء شريعة الراعي، حتى يصبح الذبح والسلخ والحلب وجز الصوف، أشغالًا حكومية.

وبعد ذلك يسود الهلع.

ويفقد الناس قدرتهم على تحكيم العقل، ويكتبون لأنفسهم شريعة، تقطع يد لص، وتأمر بتقبيل يد لص آخر، متعمدة أن تقول صراحة إن الله الواحد، له لسانان، في شريعة الخروف.

وبعد ذلك يغضب الله الواسع الرحمة، ويرحم هذا الخروف بالتخلف العقلي.

نعيم عاشور/ البحرين

يا خراف الوطن العربي

اتحدوا !

إنها فعلًا لـ (قفزة في الظلام) تلك النتيجة التي توصل إليها الصادق النيهوم في مقاله الذي يحمل العنوان نفسه. ولنترك الحيثيات التي ساقها لأنها برأينا خادعة ومضللة، ونتجه رأسًا إلى النتائج التي توصل إليها، فهي على كل حال تحمل بصمات تلك الحيثيات.

لقد خلص إلى ما يلي:

1_ أن نجمع ثقافتنا المترجمة ونعطيها لبرميل القمامة!

2_ أن نكف عن (سرقة) أفكار الآخرين ونفتش في ترابنا عن البذرة التي تنبت بيننا!

3_ أن نستعيد (شرعنا الجماعي) !

4_ أن نكتشف لغة الملايين التي تلتقي اسبوعيًا في الجوامع!

5_ أن نحرر يوم الجمعة من خطب الوعاظ!

6_ أن نعطي مكبر الصوت لهذا المواطن الساكت!

ورغم أنه يقول فيما بعد أن (مشكلة العرب بالذات أنهم لا يستطيعون أن يبدأوا من الصفر، ما دام يوم الجمعة يجمعهم بالملايين في مكان واحد وأمام منبر واحد..) إلاّ أن هذه النتائج (المذهلة) التي توصل إليها تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن على العرب أن يبدأوا من الصفر فعلًا، وأن هذا هو خلاصهم الوحيد!

لقد كثر الحديث عن الغزو الفكري في العقود الأخيرة، وقالت بذلك طوائف شتى، وكانت تعني الفكر الغربي واليساري تحديدًا. ثم قالت به وهي تعني مجمل الحضارة الغربية عمومًا. وقالت به لضرب التيار اليساري (اللاديموقراطي!) المنتمي للشرق (وليس الغرب!) ، ثم قالت به لضرب التيار (الديموقراطي!) المنتمي للغرب، بعد أن أجهزت بضرباتها الربانية على التيار الأول سواء في الوطن العربي أو في مهده في الشرق والغرب على السواء!!

إن مقولة الغزو الفكري، مقولة خادعة ومضللة، ولا داعي لتكرار الكلام الذي صار ممجوجًا، عن الحضارة العربية وعصر الترجمة الخ. لكن المهم أن ندرك، كخلاصة لكثير من المعطيات، أن العالم يتقارب ولا يتباعد، وأن من الخطل أن نعيد عجلة التاريخ إلى الوراء وننادي بالمقولات نفسها التي أصبحت في مزابل التاريخ التي تسع كل شيء.

إن الوطن العربي لا ينبغي له أن يبدأ من الصفر، وأن تراث الحضارات والأفكار هي ملك مشاع لكل حضارة مقبلة، وأن الثقافة المترجمة تعني أن الاتصال حتمي وأن الجدار بين الشرق والغرب سينهار إن لم يكن قد بدأ ينهار فعلًا.

لماذا هذا الرعب من (الثقافة المترجمة) ؟ وما الذي يثبت انها سبب هذا الانهيار في الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه.. إنها مجرد مظهر للتقارب والاندماج الضروريين والحتميين، وما قوتها (غير المضرة) سوى نتيجة للضعف (المضر) لدى الطرف الآخر.

ثم ما هذا الكلام عن (سرقة الأفكار) وعن (البذرة التي تنبت بيننا) ؟ الإيمان بهكذا أفكار سيقودنا حتمًا إلى الضبابية والتعمية والرومانسية القاتلة. إن (الطموح) إلى بناء حضارة جديدة كل الجدة، ومختلفة كل الإختلاف عما سبقها وما سيتلوها سيؤدي بنا في أحضان (المتيافيزيقا) التي ضللتنا طوال دهور. إن التاريخ حلقات متصلة، والعلوم والمعارف لا جنسية لها، وهي أساس أي حضارة وكل حضارة. كما أن التقدم الذي يحدث في أقصى الأرض هو ملك حلال لمن في الطرف الاخر بشرط واحد وحيد هو أن يستوعب ذلك التقدم ويضيف إليه. وكوننا نحن في الشرق لم نستوعب هذا التقدم ولم نضف إليه (وهذه المسألة خادعة ومضللة هي الأخرى أيضًا) ، لا يدعونا بأي حال من الأحوال إلى رفضه والبحث في (تربتنا) عما نستطيع فهمه واستيعابه... إنها التربة نفسها والكرة الأرضية نفسها، فلماذا هذه المكابرة؟!

ثم ما هو هذا (الشرع الجماعي) و (لغة الملايين) و (تحرير يوم الجمعة) و (إعطاء مكبر الصوت للمواطن الساكت) ... الخ. إنها تعابير فضفاضة لا تصمد على أرض الواقع، ذلك أن إدارة المجتمعات والثروات لا يمكن أن تتم بهذا الشكل الاعتباطي والغوغائي والهلامي. فهل المقصود بذلك دولة دينية أو دولة دراويش، أو فوضاوية؟ وهل المقصود هو تطبيق (الشريعة) ؟ وأنا أتساءل؛ أليست القوانين والمبادىء والأعراف التي تحكم المجتمع وتديره وتنظم شؤونه، وتكون حصيلتها ومرتكزها كرامة المواطن وحريته وإتاحة الفرصة له للمساهمة في بناء الوطن والرقي به، وتكفل له الاحترام المتبادل والأخوة والعدالة والرخاء وعدم التمييز وعدم الظلم والطغيان، وانتفاء التعذيب، هي نفسها أهداف الشريعة، وبالتالي أهداف الديمقراطية، غربية كانت أم شرقية؟

إن المستقبل مفتوح أمامنا إذا تخلصنا من عقدة الشرق والغرب، وطردنا من أذهاننا هاجس البحث عن ذرة مكنونة قابعة في ذواتنا ولم يرها من قبل لا إنس ولا جان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت