باعتباره مشكلة عملية استدعى الأمر اتخاذ إجراءات معينة كالصليبية والدعوة إلى النصرانية والتبادل التجاري، وباعتباره مشكلة لا هوتية تطلب بإلحاح العديد من الإجابات على العديد من الأسئلة في هذا الصدد ، وذلك يقتضي معرفة الحقائق التي لم يكن من السهل معرفتها . وهنا ظهرت مشكلة تاريخية صار من المتعذر حلها ، كما ندر إمكانية تناولها دون معرفة أدبية ولغوية يصعب اكتسابها ، وصارت المشكلة اكثر تعقيدًا بسبب السرية والتعصب والرغبة القوية في عدم معرفتها خشية الدنس (12) .
اتجاهان مختلفان ..
وقد نشط اللاهوتيون النصارى في ذلك الوقت المبكر ضد الإسلام وراحوا ينشرون الافتراءات والأكاذيب حول الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم ، وزعموا فيما زعموا أن الإسلام قوة خبيثة شريرة وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس إلاّ صنمًا أو إله قبيلة أو شيطانًا. وغزت الأساطير الشعبية والخرافات خيال الكتاب اللاتينيين. ولم يكن الهدف بطبيعة الحال هو عرض صورة موضوعية عن الإسلام ، فقد كان هذا أبعد ما يكون عن أذهان المؤلفين في ذلك الزمان .
وهناك في هذا الصدد حكايات في وصف الإسلام مغرقة في الخيال وفي الضلال اخترعها خيال الكتاب في ذلك العصر مثل أنشودة رولاند الشهيرة: The Song of Roland وغيرها من آثار أدبية تصف المسلمين بأنهم عبَّاد أصنام ، أو انهم يعبدون آلهة ثلاثة هي ( تيرفاجان Tervagan ) ، و ( محمد وأبو للو ) . وقد اعترف أعلم المؤلفين المسؤولين عن هذا الأدب وهو ( جيبير النوجنتي Guibert de Nogent ) [ ت 1124 م ] بأنه لا يعتمد في كتاباته عن الإسلام على أية مصادر مكتوبة، وأشار فقط إلى آراء العامة، وأنه لا يوجد لديه أية وسيلة للتمييز بين الخطأ والصواب، ثم قال مبررًا كتاباته غير العلمية عن الإسلام ونبيه: ( لا جناح على المرء إذا ذكر بالسوء من يفوق خبثه كل سوء يمكن أن يتصوره المرء ) .
وقد أطلق ساذرن على هذه الفترة في كتابه ( نظرة الغرب إلى الإسلام في القرون الوسطى ) عنوان ( عصر الجهالة ) . وهو عصر كان ابعد ما يكون عن روح العلم والموضوعية. وفي ذلك يقول ساذرن:
( على أن الشيء الوحيد الذي يجب أن لا نتوقع وجوده في تلك العصور هو الروح المتحررة الأكاديمية، أو البحث الإنساني الذي تميز به الكثير من البحوث التي تناولت الإسلام في المائة سنة الأخيرة ) (13) .
وفي مقابل تلك الصورة البغيضة للإسلام كانت هناك جهود أخرى للوصول إلى معرفة موضوعية في مجال العلوم العربية مثل الفلسفة والطلب والعلوم الطبيعية .
يقول مكسيم رودنسون عن تلك الفترة:
( ولا يصادف المرء موقفًا موضوعيًا في مجال مختلف تمامًا لا يمت إلى الدين الإسلامي إلاّ بصلة بعيدة، وأعني العلم بأوسع معانيه ) (14) .
وقد أخطأ ( رودنسون ) هنا في جعله العلم لا يمت إلى الإسلام إلا بصلة بعيدة. فقد كان الإسلام في حقيقة الأمر وراء كل إنجاز علمي حققه المسلمون في مختلف المجالات .
وبدءًا من عام 1130م كان العلماء النصارى في أوروبا يعملون جاهدين على ترجمة الكتب العربية في الفلسفة والعلوم . وكان لرئيس أساقفة طليطلة وغيره الفضل في إخراج ترجمات مبكرة لبعض الكتب العلمية العربية، بعد الاقتناع بأن العرب يملكون مفاتيح قدر عظيم من تراث العالم الكلاسيكي. وهذه الحركة التي قامت في أوروبا لترجمة العلوم العربية إلى اللاتينية تشبه تلك الحركة التي قامت في العالم الإسلامي في عهد المأمون ومن سبقه لترجمة العلوم اليونانية وغيرها إلى العربية. وتخدم أيضًا الأغراض نفسها التي قامت من أجلها الترجمة في العالم الإسلامي والتي تتمثل في نشر العلم ورفع المستوى الثقافي من أجل خدمة الحياة الإنسانية وبناء الحضارة. ولكن هذا الاتصال العلمي العميق بحضارة الإسلام لم له تأثير في تغيير النظرة الغربية للصورة العقيدية أو الإلهية أو التاريخية للإسلام .
وقد كانت هناك في القرن الثاني عشر أيضًا بعض المحاولات للتعرف على الإسلام بقدر من الموضوعية ولكن مع الهدف الواضح والمعلن وهو محاربة هذه التعاليم الإسلامية ( الإلحادية ) ومن أجل ذلك قام بطرس الموقر [ ت 1156م] رئيس رهبان كلوني بتشكيل جماعة المترجمين في إسبانيا يعملون كفريق واحد من أجل الحصول على معرفة علمية موضوعية عن الدين الإسلامي . وقد كان بطرس الموقر وراء ظهور أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية في عام 1143 م ، تلك الترجمة التي قام بها العالم الإنجليزي ( رو برت أوف كيتون Robert of Kettok ) (15) .
وقد حاول بطرس الموقر ـ الذي كان يعتبر الإسلام هرطقة نصرانية أن يجد مبررات للجهود التي يقوم بها ـ في مجال الترجمة من أجل التعرف على الإسلام ـ حتى يحظى هذا العمل بالقبول لدى إخوانه النصارى فقال:
إذا كان هذا العمل يبدو من النوافل الزائدة لأن العدو ليس عرضة للهجوم بمثل هذا السلاح، فإني أرد بأن في بلاد ملك عظيم تكون بعض الأشياء للدفاع وبعضها للزينة وبعضها لكليهما معًا. إن سليمان المسالم صنع الأسلحة للدفاع ولو أنها لم تكن ضرورية في زمانه ، وداود صنع الزينات للهيكل ، ولو أنه لم تكن هناك وسائل لاستعمالها في عصره (16) .. وكذلك الحال مع هذا العمل فإذا لم يكن بالإمكان تنصير المسلمين به ، فمن حق العالم على الأقل أن يساند إخوانه الضعفاء في الكنيسة الذين يسهل افتضاحهم بأشياء صغيرة ) (17) .
ولم تجد ( الموضوعية ) التي كان يبحث عنها بطرق الموقر تجاوبًا في ذلك الزمان على الرغم من أنها لم تكن موضوعية بالمعنى الصحيح. وإنما يمكن أن تعد ( موضوعية موجهة ) إن صح التعبير .
يقول ( رودي بارت ) :
( حقيقة أن العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق أوسع ، ولكن كل محاولة لتقييم المصادر على نحو موضوعي نوعًا ما ، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للنصرانية لا يمكن أن يكون فيه خير. وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل ، وكانوا يتلقفون بنهم كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي العربي وإلى دين الإسلام) (18) .
ويمكن القول بصفة عامة بأنه قد كان هناك في هذه الفترة المبكرة للاستشراق اتجاهان مختلفان فيما يتعلق بالأهداف والمواقف إزاء الإسلام. أما الاتجاه الأول فقد كان اتجاهًا لاهوتيًا متطرفًا في جدله العقيم، ناظرًا إلى الإسلام من خلال ضباب كثيف من الخرافات والأساطير الشعبية . أما الاتجاه الثاني فقد كان نسبيًا بالمقارنة إلى الاتجاه الأول أقرب إلى الموضوعية والعلمية، ونظر إلى الإسلام بوصفه مهد العلوم الطبيعية والطب والفلسفة. ولكن الاتجاه الخرافي ظل حيًا حتى القرن السابع عشر وما بعده
(19) ..ولا يزال هذا الاتجاه للأسف حيًا في العصر الحاضر في كتابات بعض المستشرقين عن الإسلام ونبيه
الثقافة العربية في قصر الإمبراطور ..