فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 3028

وفي الخطوة التالية تعرض المجالات المخصخصة للاستثمار العالمي، فتأتي رؤوس الأموال العالمية"فتشارك!"في عمليات الاستثمار، مشترطة شروطا معينة في صالحها، منها تخفيض الضرائب عليها، والسماح لها بنقل أرباحها إلى الخارج، وعدم وضع العراقيل أمامها بعمل حماية جمركية أو حماية من أي نوع للصناعات المحلية الصغيرة التي يديرها رأس المال المحلي بجهده الخاص، فتعجز هذه - بدون حماية - عن المنافسة في الأسواق العالمية، بل في الأسواق المحلية ذاتها، فينتهي بها الأمر إلى"المشاركة!"مع رأس المال الأجنبي.. أو إلى الفناء!

العولمة إذن في وجهها الاقتصادي - بالنسبة للعالم الثالث على الأقل - هي السيطرة الكاسحة لرأس المال الغربي على اقتصاديات العالم الثالث، ووضعه بين فكّي الكماشة، سواء بخفض أسعار الخامات، أو رفع أسعار الإنتاج، مع تخدير الدول وشعوبها بتمنيتهم بالرواج الاقتصادي الذي سيحدث في العالم الثالث نتيجة العولمة، والذي سيعين الدول على تسديد ديونها، ويوجد فرص عمل جديدة أمام المتعطلين من أبنائها الذين لا يجدون فرصا للعمل في الأزمة الراهنة. وهو حق على المدى القريب، ولكنه ينتهي بتنحية هذه الشعوب عن مقومات وجودها، وسيطرة الغرب عليها، والتحكم الكامل في مصائرها.

والآن يبرز سؤال له أهمية بالغة..

من المالك الأكبر لرأس المال الأجنبي الذي يأتي للاستثمار بعد أن تفتّح له الأبواب؟!

إنه - شئنا أم أبينا - رأس المال اليهودي العالمي، الذي يسيطر في بلاده الأصلية، ويسعى لبسط سيطرته على العالم كله!

وهنا يبرز وجه جديد من وجوه العولمة، لا يقل أثرا عن السيطرة الاقتصادية، بل هو في نظرنا أخطر وأشد!

إن المخطط اليهودي للأمميين (وهم كل الأمم من غير اليهود) كما هو وارد عندهم في التلمود، هو أن الأمميين هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار، وأن من فضل الله على الشعب المختار أن خلق هذه الحمير على صورة آدمية ليتمكن الشعب المختار من استخدامها!!

ويترتب على هذه النظرة أمور كثيرة.. وخطيرة.

فمتى يستحمر الإنسان.. وكيف يستحمر؟!

إن الله يقول في محكم التنزيل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (2) .

فالأصل في الإنسان هو الكرامة والتكريم..

ولكنه - في حالات - يهبط أسفل سافلين: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (3) .

(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (4) .

ذلك حين يعرضون عن عبادة الله، ويعبدون غيره..

ومعنى ذلك بعبارة أخرى أن الإنسان لا يستحمر وهو صاحب عقيدة، وصاحب أخلاق إيمانية نابعة من العقيدة..

فإذا كان هدفنا استحمار البشر - لغاية في نفوسنا - فماذا نفعل؟

الإجابة واضحة: نفسد عقائدهم، ونفسد أخلاقهم!

وهذا ما تقوم به المؤتمرات الدولية التي تقام بين الحين والحين، لإعطاء الشرعية للفوضى الخلقية والشذوذ الجنسي، وحرية الإجهاض، وتكوين"أسرة!!"من غير زوج وزوجة، ورفع يد الآباء عن التدخل في سلوكيات الأبناء، وحرية الاعتقاد التي تعني - فيما تعني - حرية الإلحاد!

إن هذه المؤتمرات لا تقام عبثا! إنها - بكل بشاعتها المقززة - جزء مدروس بعناية من المخطط الكبير الشرير الذي يقوم به المفسدون في الأرض: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (5) .

وهي ليست شيئا قائما بذاته، وإن وضعت لها عناوين متخصصة، كمؤتمر"الإسكان"أو مؤتمر"المرأة عام 2000"أو غيرها، إنما هي أجزاء مترابطة متماسكة - وإن اختلفت اتجاهاتها - تتحرك بإرادة موحدة، كما تتحرك أذرع الأخطبوط في اتجاهات مختلفة، فتنهش من هنا وتنهش من هناك، ولكن بإرادة مركزية واحدة، مركزة في رأس الأخطبوط!

واتخاذها شكل"مؤتمرات دولية"ومحاولة فرضها على الناس فرضا عن طريق هيئة الأمم، وتهديد المخالفين - وخاصة المسلمين - بتوقيع العقوبات عليهم إن لم ينفذوا قراراتها، كل ذلك له دلالات..

الدلالة الأولى أنه قد أمكن بالفعل استحمار عدد من البشر، ينطقون بما يريد الشيطان منهم أن ينطقوا به، في جرأة ووقاحة، فيطالبون علانية بعصيان الله والتمرد على أوامره، وتحليل ما حرّم، وتحريم ما أحلّ، والتشريع بغير ما أنزل، ويقيمون من أجل ذلك"المؤتمرات"يتعالنون فيها بكل قبيح، ولا يتحرجون من ذلك ولا يتأثمون. وهو درك من الهبوط لم تهبط إليه البشرية قط في تاريخها كله. فكل ما ينادون به من القبائح قد حدث من قبل في تاريخ الأمم، ولكن لم تكن له شرعية، إنما كان يرتكب خفية أو شبه خفية، ثم إنه لم يكن واسع الانتشار، لأن النفس البشرية - التي كرمها الله - كانت تستبشع - حتى في انحرافاتها - أن تمارس الانحطاط الحيواني باسمه الصريح! والحالات الشاذة كحالة قوم لوط تعتبر - بالنسبة لمجموع البشرية - حالة فردية شاذة، ملعونة في الأرض والسماء.. أما اليوم فيراد إعطاء هذا الهبوط شرعية يتعالن بها، وتصبح هي الأصل الشائع بين الناس!

والدلالة الثانية أن المفسدين لا يكتفون بما أفسدوا بالفعل، ولا يقنعون بما بين أيديهم من الحمر المستنفرة، إنما يريدون المزيد! يريدون أن يستحمروا البشرية جمعاء، ويستخدمون ما بين أيديهم من الأدوات"الدولية!"لنشر الاستحمار في البشرية!

والدلالة الخاصة، التي لا ينبغي أن تفوتنا نحن المسلمين، أن الإسلام بالذات هو المستهدف الأول، وأن"أصحاب الشأن"لن يستريحوا حتى يردوا المسلمين عن دينهم.. إن استطاعوا: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (6) .

العولمة إذن ليست وجها واحدا كما قد تبدو لأول وهلة.. إنما هي - كما رأينا - أخطبوطية تشمل الاقتصاد، والسياسة، والفكر، والدين، والأخلاق، والثقافة، والتقاليد، والعادات.

وحتى لو فرضنا جدلا - وهو غير صحيح - أن الهدف الأساسي هو السيطرة الاقتصادية، فإن هذه لا تتم بغير معاوناتها الأخرى! فالقوم الذين لهم دين يعتزون به، وأخلاق يعتزون بها، وثقافة متميزة، ومقومات ذاتية يحرصون عليها، لا ينصاعون بسهولة للسيطرة الاقتصادية ولو حاصرتهم من كل جانب، إنما اعتزازهم بقيمهم الخاصة سيجعلهم يقاومون، وسيجعلهم - ولو على المدى البعيد - يسعون إلى التحرر من العبودية المراد فرضها عليهم، وعندئذ يفشل التخطيط، ويفشل الأخطبوط! فلا بد إذن من أجل السيطرة الاقتصادية ذاتها من محو شخصية الأمم، وتذويب مقوماتها النفسية والفكرية والعقدية، ليسلس قيادها للمسيطر الشيطان!

مسئولية الأمة الإسلامية

أخرج الله هذه الأمة - أمة التوحيد - لتحقق أهدافا معينة:

لتكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (7) .

ولتكون رائدة ومرشدة وشاهدة على كل البشرية: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (8) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت