ولتحمل رسالة النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام إلى البشرية كافة، على مدى الزمن كله من بعثته عليه الصلاة والسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على هدى الكتاب المنزل من عند الله: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (9) .
وكفل الله لهذه الأمة - حين تقوم برسالتها: الاستخلاف والتمكين والتأمين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (10) .
وتحقق ذلك كله في واقع الأرض عدة قرون، كانت فيها الأمة الإسلامية خير أمة على وجه الأرض في كل اتجاه: عقديا، وأخلاقيا، وفكريا، وعلميا، وسياسيا، وحربيا، واقتصاديا، وحضاريا.. وفي كل مجال من مجالات الحياة، في الوقت الذي كانت فيه أوربا غارقة في ظلمات ما يطلقون عليه هم: قرونهم الوسطى المظلمة..
تحقق للأمة السيادة والمنعة والقوة. وتحقق لها لأول مرة في التاريخ معنى"الأمة"، التي تجمع شعوبا مختلفة، وأجناسا مختلفة، ولغات مختلفة، يرتبطون كلهم برباط واحد هو"الإسلام"، وإن تباعدت المسافات بينهم، وإن اختلفت علاقات الحكام بعضهم ببعض، فرباط"الإسلام"الذي يوحد قلوبهم ومشاعرهم أقوى في نفوسهم من كل ما يسبب الفرقة أو الخلاف. منه يتخذون عقيدتهم، ومنه يستمدون أنماط حياتهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم وتوجهاتهم العامة، وإن كان لكل شعب خصوصياته، ولكل فرد خصوصياته.
وتحقق لها الرخاء الاقتصادي الناشئ من سعي المسلمين في فجاج الأرض، ينشرون فيها النور، ويكشفون مجاهيلها، ويعمرونها، تحقيقا للتوجيه الرباني: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (11) . (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (12) .
وتحقق لها نشاط فكري وعقلي وعلمي غير مسبوق، يزخر به إنتاج تلك القرون - قرون التمكين - في اتجاهات متباينة: في الفقه والأصول، في التاريخ، في الطب والفلك والرياضيات، في الرحلات والكشوف الجغرافية، وفي كل منحى من مناحي الحياة الموّارة الدفاقة، التواقة إلى المعرفة، التواقة إلى تحقيق الخلافة الراشدة في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (13) .
وتحقق لها وجود حضاري واسع، لا ينحصر في الإنتاج المادي والحضارة المادية، من إنشاء مدن وعمارة مبان وتوفير طرق، وفنون إدارة، إنما يحقق المعنى الجوهري للحضارة أي الارتقاء"بالإنسان"ليكون جديرا بالتكريم الرباني: الارتقاء به عقيدة، وأخلاقا، وسلوكا، وفكرا، ومعرفة، ينبع منها النشاط المادي، ولا تنحصر فيه.
كانت هذه الأمة أول أمة عرفت مجانية التعليم، ومجانية العلاج، وأوقفت على هذين الأمرين أوقافا طائلة لا تعتمد على سخاء الدولة أو تقتيرها، أو عنايتها أو إهمالها، بقدر ما تعتمد على دوافع الخير في النفوس، ودوافع البذل والعطاء.
وكانت أول أمة عرفت إنشاء بيوت لرعاية العجزة، ودور لإيواء الحيوانات الضالة لرعايتها وإطعامها!
وكانت أول أمة - أو الأمة الوحيدة - التي تفي بعهودها مع الآخرين، وتلتزم بالمواثيق، ولا تبرمها في وقت الحاجة لتمزقها في أول فرصة مواتية!
وكانت أول أمة - أو الأمة الوحيدة - التي لا تضطهد المخالفين لها في العقيدة، بل ترعاهم، وتؤمّنهم على عقائدهم وعباداتهم وكل نشاطاتهم الاقتصادية والحياتية ما داموا غير محاربين ولا مجاهرين بالعداء!
باختصار.. كانت هي الأمة المتحضرة في الأرض..
ولكن انقلابا هائلا حدث في التاريخ!
لم يحدث بطبيعة الحال بين يوم وليلة.. فلا شيء يحدث بين يوم وليلة إلا أقدار الله الخارقة! وحتى"الانقلابات العسكرية"التي سرت في عصر"التنوير!!"الذي نعيشه اليوم، لا تتم بين يوم وليلة، إنما تستغرق وقتا في التفكير، وفي التحضير، قبل أن يفاجأ بها الناس على ساحة الواقع..
إنما حدث الانقلاب خلال عدة قرون..
تدريجيا.. انحسرت مساحة"الدين"في النفوس.
لقد نزل هذا الدين ليشمل الحياة كلها من كل جوانبها، لا ليحتل جانبا واحدا من جوانب الحياة، أيًّا كان حجمه وأهميته الذاتية: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ...) (14) .
فالإيمان بالله الواحد هو أهم ما في حياة الإنسان وأثمن ما في هذه الحياة. ولكنه إن استثمر في داخل الوجدان، ولم يبسط إشعاعه على مساحات الحياة المختلفة، فلن يكون هو"الدين"الذي أنزله الله، وأمر باتباعه، وعاقب على تركه، وأثاب على الإتيان به!
إنما دين الله هو"ما وقر في القلب وصدّقه العمل".
إن الله لم يطلب من الناس فقط أن يؤمنوا في أعماق وجدانهم بأنه سبحانه هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.. وإن كان هذا هو الأساس الذي ينبني عليه كل شيء.. إنما طلب سبحانه من الناس أن يسري التوحيد في كل جنبات حياتهم باتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه والالتزام بما أنزل من تشريع وتوجيه.. وكل حيد عن هذا السبيل أو مخالفة له هي نقص في الإيمان يؤثر في"الميزان"كما يؤثر في النتائج! والإيمان - كما يقول علماؤنا - يزيد وينقص. يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.
وتختلف درجات النقص باختلاف نوع الحيد ومقدار المخالفة، وإن كانت لا تنقض أصل الإيمان إلا إذا وقع من الإنسان عمل من الأعمال الناقضة المنصوص عليها في كتاب الله وسنة رسوله وأجمع عليها العلماء، كمن سب الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو سجد إلى صنم، أو أهان المصحف، أو شرّع بغير ما أنزل الله..
ويعمل هذا الدين في واقع الأرض ويؤتي ثماره الجنية بمقدار ما يلتزم به أهله ويتبعون ما جاء فيه. فإن لم يلتزموا، ولم يتبعوا، ينحسر"الدين"في نفوس الناس، وتنحسر ثماره في الأرض بمقدار ما حدث من الحيد، ومقدار ما وقع من الانحراف.
والآيات في كتاب الله واضحة تمام الوضوح في هذا الأمر، كما هي في كل أمر: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (15) .
وكل هؤلاء مؤمنون - على درجات من الإيمان، ودرجات من فضل الله ورحمته ورضوانه - ما لم ينقضوا أصل الإيمان.. أما هؤلاء: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (16) . (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما ً) (17) .