فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 3028

تلك حقيقة الدين كما أنزلها الله، وكما علمها رسوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وكما فهمتها الأجيال الأولى من المسلمين.

لذلك كان الفكر الإرجائي الذي دخل في حياة المسلمين غريبا كل الغربة عن الإسلام الذي أنزله الله، ذلك الفكر الذي يخرج العمل من مسمى الإيمان، بل من مقتضاه، والذي يقول:"من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملا واحدا من أعمال الإسلام"، والذي يقول:"الإيمان هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلا في مسمى الإيمان"، (والمسمى ليس هو الاسم كما يخيل لبعض الناس، إنما هو حقيقة الشيء الذي يطلق عليه الاسم، ومنه قولهم: اسم على مسمى. أي اسم صادق الوصف للموصوف به) .

نعم! كان هذا الفكر غريبا كل الغربة عن الإسلام، وكتاب الله المنزل يتكرر فيه مئات المرات قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ويرد فيه مثل هذه الآيات: (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) (18) . (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (19) . (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (20) . (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) (21) .

وكذلك كان الفكر الصوفي غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، ذلك الفكر الذي يحصر العبادة في الوجد الروحي والذكر، ويضخم الشيخ في حس المريد حتى يصبح واسطة بينه وبين الله، بينما الإسلام ينفي كل وساطة بين العبد والرب، ويجعل العبادة شاملة لكل حياة الإنسان، ويجعل الجهاد ذروة سنام الأمر:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (22) . (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (23) . (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ..) (24) . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (25) .

"ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد" (أخرجه الترمذي) .

كذلك كان حصر الإسلام في النطاق الفردي وإسقاط التكاليف الجماعية والاجتماعية والسياسية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، وقد فرض الله هذه التكاليف كلها كما فرض التكاليف الفردية وإن كان قد جعل بعضها فرض كفاية لا فرض عين، ولكن الأمة تأثم بمجموعها إن لم يقم فيها أحد بهذه التكاليف.

وكذلك كان التواكل وإهمال الأخذ بالأسباب بحجة التوكل على الله غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، الذي أمر بالتوكل ولكنه أمر معه باتخاذ الأسباب: (فَإِذَا عَزَمْتَ(26) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (27) . (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (28) . (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (29) .

كذلك كان انفراج الطريق بين العمل للدنيا والعمل للآخرة غريبا عن الإسلام كما أنزله الله، والله يقول: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا..) (30) .

ولكن هذه الأمراض كلها وجدت في الأمة - تدريجيا - ثم تزايد حجمها وأثرها كلما مر عليها الزمن دون علاج.

ولا نقول مع ذلك إن العلاج لم يوجد أبدا، فذلك ظلم للتاريخ، ولم يمر على المسلمين عصر خلا تماما من المصلحين. ولكن نقول إن حركات الإصلاح كانت أقل من المطلوب، في حين كانت الأمراض تتزايد على الدوام.

حين انحسر الإسلام في قلوب الناس - إلا من رحم ربك - انحسر إشعاعه في عالم الواقع.. فالإشعاع المنعكس على عالم الواقع إنما مصدره ذلك النور المنبعث من القلوب، وعلى قدر قوة ذلك النور أو ضعفه تكون الإضاءة أو يكون الظلام، حسب سنة الله التي لا تتخلف ولا تحابي ولا تجامل أحدا من الناس لدعوى يدعيها بلسانه ولا يعمل بها في عالم الواقع: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (31) . (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) (32) .

ومن ثَمَّ أخذت الأمة رويدا رويدا تدخل في الظلام: ظلام الجهل.. ظلام الضعف.. ظلام التخلف.. ظلام الفقر.. ظلام الجمود.. ظلام الانحسار.

ولم يكن ذلك بسبب"الدين"كما يزعم المطموسو البصيرة الذين أضاع الغزو الفكري ألبابهم، إنما كان - كما هو واضح - بسبب البعد التدريجي عن حقيقة الدين.

وفي الوقت الذي بدأت فيه الأمة الإسلامية تضعف وتنكمش وتنحسر، كانت أوربا قد بدأت تبرز وتتقدم وتتوسع، في جميع المجالات التي انحسر فيها الوجود الإسلامي!

وكان في هذا الوضع جملة من المفارقات، تبدو غريبة لأول وهلة، ولكنها منطقية ومفهومة إذا عرضناها على السنن الربانية، وعلى وعد الله ووعيده.

كانت نهضة أوربا - كلها تقريبا - مستمدة من أصول إسلامية، ومع ذلك كان موقف أوربا من الإسلام هو موقف الجاحد الحاقد المتربص المتنمر المتأهب للانقضاض!

كانت أوربا قد خرجت من قرونها الوسطى المظلمة على هدى ما اقتبسته من علوم المسلمين وفنونهم وحضارتهم، ولكنها كانت في الوقت ذاته معادية للإسلام والمسلمين.

ولم يكن هذا رد الفعل التلقائي، أو الطبيعي في مثل هذا الموقف.

لقد ظلت أوربا في قرونها الوسطى المظلمة ما يقرب من عشرة قرون، لا تحس أنها في ظلام! ولم تشعر بالظلام وترغب في الخروج منه إلا حين رأت النور! نور الإسلام!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت