فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 3028

وقد كان احتكاكها بالإسلام - الذي أخرجها من الظلمات إلى النور - عن طرق ثلاث. أحدها الحروب الصليبية التي أطلعت الأوربيين على بلاد تعيش حياة مختلفة تماما عن حياتهم في كل اتجاه، ثم العلاقات التجارية التي أقامتها جنوة والبندقية وغيرهما بالعالم الإسلامي، ثم البعوث التعليمية التي أرسلتها أوربا إلى المدارس الإسلامية في الأندلس وصقلية الإسلامية وغيرهما من بلاد المسلمين، والتي عاد منها أولئك المبعوثون في شغف هائل بالحضارة الإسلامية والعلوم الإسلامية والفكر الإسلامي..

وكانت أوربا - بهذه التأثيرات - على وشك أن تدخل في الإسلام كما يقول المؤرخ البريطاني ويلز في كتاب"معالم تاريخ الإنسانية" (33) وكما يشير غيره من المؤرخين والكتاب الغربيين (34) .

وهنا جن جنون الكنيسة الأوربية، وقامت تحارب النفوذ الإسلامي بضراوة ووحشية، عن طريق محاكم التفتيش من ناحية، كما كلفت كتابها وشعراءها من ناحية أخرى أن يشوهوا صورة الإسلام في نفوس الأوربيين، ويرموه بكل نقيصة، لينفروا منه الراغبين فيه، أو المتأثرين بحضارته وعلومه وفكره.

ويجب أن نعرف - نحن المسلمين بصفة خاصة - أن جوردانو برونو أحرق حيا، وهدد كوبرنيكوس وجاليليو بالحرق أحياء لأنهم تبنوا أفكارا علمية مستمدة من العلماء المسلمين. فكان حرق من أحرق والتهديد بحرق الآخرين موقفا صليبيا في مبعثه، وفظا متوحشا كطابع الحروب الصليبية كلها من أول التاريخ إلى اللحظة الراهنة، التي رأينا نماذج منها في البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان (في عصر الديمقراطية والحرية واحترام"الآخر"!!) وإن كانت المراجع الأوربية لا تشير بطبيعة الحال إلى هذه الحقيقة..

إنما الذي يهمنا هنا أن نبين أنه نتيجة لأفاعيل الكنيسة وقعت أوربا في مأزق ضخم كانت آثاره وبالًا على البشرية. فطغيان الكنيسة في القرون الوسطى (الذي لم تشعر أوربا أنه طغيان إلا بعد احتكاكها بالإسلام والمسلمين) كانت نتيجته أن أوربا نفرت من دين الكنيسة وتمردت عليه. وفظاظتها في حرب النفوذ الإسلامي بالتعذيب والتشويه كانت نتيجته أن أوربا نفرت من الإسلام ولم تدخل فيه، فرجعت أوربا إلى ميراثها الإغريقي الروماني الوثني تستمد منه أفكارها وقيمها ومبادئها في عداء واضح مع الدين.

وهنا ولدت الكارثة التي تعاني منها البشرية إلى هذه اللحظة، وهي وجود قوة مادية وعلمية واقتصادية وتقنية هائلة، مع انحطاط روحي وأخلاقي بالغ المدى، لم تهبط البشرية إلى مثله في تاريخها كله..

هذا الوضع - على غرابته - لا يشكل مشكلة بالنسبة للمسلم الواعي الذي يدرك السنن الربانية، ويعلم من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم كيف تجري الأمور في واقع البشر محكومة بهذه السنن التي لا تتبدل ولا تتحول. ولا يشكل هذا الوضع له فتنة تفتنه عن دينه، لأنه يقرأ في كتاب الله قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ..) (35) فيعلم أنه لا تناقض ولا غرابة في أن يكون القوم كفارا وملاحدة، وأن تكون أبواب كل شيء من القوة المادية والعلمية والاقتصادية والحربية والسياسية مفتوحة لهم إلى حين يقدره الله سبحانه وتعالى بحكمته: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا(36) أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (37) .

نعم! لا غرابة في هذا الوضع بالنسبة للمسلم الواعي الذي يدرك سنن الله. ولكنه فتنة ضخمة لمن لا يدرك هذه السنن وحكمتها، لأن الحسبة ستكون في رأسه على هذا النحو: لقد كانت أوربا في يوم من الأيام متدينة، فكانت تعيش في ظلام مطبق، وكان يحيط بها الجهل والجمود من كل جانب، فلما نبذت الدين تقدمت وتحضرت وقفزت قفزات هائلة في كل اتجاه! إذن.. فالدين صنو للظلام والتأخر ؛ والكفر والإلحاد والتمرد على الدين صنو للتقدم والتحضر و الرقي!!

أية فتنة لمن طمست بصيرته عن إدراك سنن الله وحكمتها؟!

وليس بنا هنا أن نفند هذه الفتنة فقد فندناها في أماكن أخرى (38) .

ولكن يعنينا كثيرا أن نبين مسئولية الأمة الإسلامية في هذه الفتنة، وهي مسئولية ضخمة في الحقيقة.

فلو أن الأمة الإسلامية لم تقع في أمراضها التي سردنا جانبا منها فيما سبق، أو لو أن الأمة عالجت أمراضها أولًا بأول ولم تدعها تستفحل كما حدث بالفعل، فإن صورة أخرى غير الواقع الحالي كانت قمينة أن تقع في الأرض بتقدير الله.

كانت أوربا ستتقوى بما تعلمت من علوم المسلمين، وبالإضافات التي أضافتها إليها في انطلاقتها الفتية التي اكتسبتها من تحطيم القيود التي كانت الكنيسة تكبلها بها باسم الدين.. ولكنها أولا: لم تكن لتبلغ ما بلغته اليوم من القوة، فإنها لم تبلغ هذا المدى من القوة إلا بضعف المسلمين حين انطلقت أوربا الصليبية - مدفوعة بصليبيتها - تحتل بلاد العالم الإسلامي، وتسرق مواردها، وتضاعف ثروتها، وتستزيد كل يوم من وسائل القوة التي تمكنها من مزيد من السيطرة، ومزيد من سلب ثروات المسلمين.. ثم إنها ثانيا: لم تكن لتكون هي النموذج الوحيد أمام الناس للقوة والتمكين. إنما كان سيوجد نموذجان للتمكين والقوة، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فيسهل على الناس أن يميزوا بين كلا النوعين ليختاروا أحسنهما. فأحدهما قوي ممكّن في الأرض، متقدم متحضر متعلم مثقف نشيط متحرك، تحفّه البركة والطمأنينة: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (39) . (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (40) .

والآخر قوي ممكّن في الأرض، متقدم في الجوانب المادية والعلمية، ولكنه محروم من البركة والطمأنينة، يعج بالقلق والانتحار والجنون والأمراض النفسية والعصبية والمخدرات والجريمة.. كما أن أحدهما - مع قوته وتمكنه - لا يسعى إلى ظلم الآخرين وسلب أقواتهم والتحكم المذل فيهم، بينما الآخر قوة غاشمة لا تكف عن العدوان وإذلال الآخرين لا لشيء إلا لإرواء شهوة السلطان!

عندئذ لم تكن لتوجد الفتنة.. أو في القليل لم تكن الفتنة لتجتاح كل الأرض!

لقد كان غياب الأمة الإسلامية عن الساحة هو الكارثة الحقيقية التي أصابت البشرية، لأنه أخلى الساحة من النموذج الصحيح للحضارة الإنسانية، وأتاح للنموذج المنحرف أن ينفرد بالساحة، وأن يفتن الناس عن ربهم وآخرتهم ودينهم وأخلاقهم.. وإنسانيتهم!

ولقد كانت حكمة الله من إخراج هذه الأمة أن ترشد الناس.. كل الناس.. إلى النموذج الصحيح: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (41) . (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (42) .

وحين قامت برسالتها على الوجه الصحيح أخرجت كثيرا من الناس من الظلمات إلى النور، سواء من آمن بالإسلام والتزم به، أو اقتبس من نوره دون أن يؤمن بخ كما فعلت أوربا في مَخْرَجها من قرونها الوسطى المظلمة..

ولكنها حين تقاعست عن أداء رسالتها، بسبب ما أصابها من أمراض في مسيرتها، فقد أتاحت الفرصة للطاغوت أن يبسط نفوذه على البشر، ويخرجهم من النور إلى الظلمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت