3-يلف جميع عناصر تلك الجماعة مبدأ التضامن، بما يعنيه ذلك من سيادة قيم التراحم والتعاون والتعارف )وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (، ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (، ) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(.
4-محور الوظيفة الحضارية لتلك الجماعة المتضامنة هو مفهوم"الدعوة"، بما يعنيه ذلك من سعي للالتزام بتلك المرجعية في السلوك الفردي والجماعي، واتخاذها أساسا لبناء النظم، وهذا الالتزام بالمرجعية هو سبيل تحقيق الشهادة على العالمين )لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(.
ومصير الأمة -بهذه المقومات الأربعة- لا يمكن فصله عن مسار العقيدة/الدعوة؛ فكل قوة للأمة تنقل العقيدة/الدعوة نقلات كبرى في أرض الواقع، والعكس صحيح أيضا، وتظل في كل الأحوال العقيدة/الدعوة مبعث الحيوية والتجديد للأمة.
الأمة.. قوام الدين
هذا الترابط بين العقيدة/ الدعوة وبين الأمة: مبعثه حقيقة جوهرية في التصور والرؤية الإسلامية، وهي أن الأمة هي الوعاء الجماعي المطلوب منه شرعا أن يجسد تعاليم الدين في أرض الواقع؛ فالأمة في التصور والرؤية الإسلامية هي"قوام الدين"وليس السلطة؛ فهي المخاطبة بشرائعه وأحكامه، وهي المنوط بها تحقيقه وتطبيقه.
إن كون قوام الدين لا يتحقق إلا بالأمة قد جعل منها -أي الأمة-"قيمة عليا"ثابتة تتجاوز الحقيقة التاريخية الموقوتة أو الشكل النظامي أو المؤسسي الذي يجسدها (دولة أو سلطة) ؛ لذا فقد اكتسب مفهوم الأمة في الخبرة الحضارية الإسلامية استمرارية تاريخية بغض النظر عن التعبير النظامي أو المؤسسي الذي قام بالتعبير عنها سياسيا. وحدث في أحيان كثيرة في تاريخنا أن سقط التعبير النظامي أو الشكل المؤسسي (الدولة أو السلطة السياسية) وقامت الأمة بملء الفراغ الناجم عن ذلك حين تنتدب من بينها من يتقدم ليتولى المسئولية السياسية عنها.
حدث هذا في التاريخ القديم، كما حدث في التاريخ الحديث: ففي التاريخ القديم شهدنا ظاهرة سقوط الدول"الإسلامية"وقيامها في ظل تحديات خارجية بالغة الخطورة (تحدي المغول ثم الفرنجة"الصليبيين") ، وعندما عجزت الدولة العثمانية -دولة الخلافة وقتها- عن مواجهة خطر الغزو الغربي المتدفق على العالم الإسلامي برزت حيوية الأمة بجلاء حين قامت تدافع عن دينها وأرضها وعرضها.
الأمة في الرؤية الإسلامية -إذن- هي المجال الحيوي لإرساء قواعد المثالية الإسلامية، وهي المجسدة لقيم الإسلام التي تعيش في وجدانها وقلبها، وإن انحرف واقع السلطة عنها؛ فقد شهدت عهود الحكم الإسلامي انحرافات تفاوتت قلة وكثرة، خطورة وتفاهة عن بعض قيم الإسلام وتقاليده، غير أن هذه الانحرافات لم تصب هذه القيم في شيء من مضمونها وإحساس الناس بها، ولا من التعبير المستمر في مدونات الفقه وكتب الفقهاء عن ضرورة الالتزام بها، وهذا في حقيقته مبعثه فاعلية الأمة وحيويتها.
إن القول باستمرارية الأمة تاريخيا وتجاوزها للحقيقة التاريخية الموقوتة بماضٍ ولّى إلى واقع نعايشه اليوم على الرغم من انتفاء مظهرها النظامي المجسد لها (الخلافة) يستند إلى مجموعة من الأسس كما ترى د.منى أبو الفضل في كتابها القيم"الأمة القطب":
* أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد سعى لإنشاء أمة قبل قيام الدولة أو السلطة التي تجسد نظاميا ومؤسسيا هذه الأمة.
* أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد خلّف وراءه عند وفاته"أمة"قبل أن يخلف إمامًا، وأنه لو لم تكن الأمة لما وُجِدَ من يؤمّها. وبالتالي فإن وجود الإمام وجود منسوب أو مشتق - والأمة أو الجماعة تصير هي الأصل.
* أن"الأمة"بهذا المعنى تصير هي المستودع للرسالة المحمدية، أي إن الأمة هي وعاء القرآن الكريم.
يترتب على هذه العلاقة العضوية المنشئة للأمة أن بقاءها إنما هو مرتبط بالعلة، وليس بالمعلول، أي إن أمة القرآن هي باقية ببقاء الذكر الحكيم -أما اختفاء الإمام أو الخلافة فهو أمر وإن أضعف وحطّ من فاعلية الأمة بحكم أن الإمامة هي الرمز المجسد للأمة والممثل لها وأداتها التنفيذية التي تقوم بمصالحها - إلا أنه مع ذلك لا ينفي وجودها - الذي يعد هو ذاته ضمانا لتجددها...
فالأمة في الإسلام هي التي تفرز النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحكم مضمون الإسلام كعقيدة وشريعة - ذلك المضمون الذي تحمله هذه الأمة والذي تؤمن به نهجا شاملا لحياة لا انفصام فيها بين الدنيا والآخرة، مما يولّد في الأمة قوة دفع ذاتية للسعي حثيثا نحو تطبيق نظمها وتجسيدها في أرض الواقع. وقد عبر"لووي جارديه"عن هذا المعنى عندما قال:"إن الإسلام ليفترض ذلك الرباط الوطيد الذي لا انفصام فيه بين الدين والدولة، وبين الجماعة والعقيدة، وأن هذه العلاقة الارتباطية العضوية إنما تفرض نفسها فرضا مستوجبة لها تلك التنظيمات الوضعية الملائمة التي تجسدها والتي لا يكتمل النظام بدونها".
الأمة والسلطة
العلاقة بين الأمة والسلطة من الموضوعات الشائكة، ولكننا نرى أنه إذا حضرت الأمة بالمعنى الذي تقدم، تعود السلطة إلى حجمها الحقيقي ووزنها الطبيعي؛ فهناك علاقة عكسية بين حضور الأمة وتضخم السلطة، إذ كلما زادت حيوية الأمة وزادت فعالياتها عادت السلطة للقيام بوظائفها المنوطة بها، وهي تدور أساسا في الرؤية الإسلامية حول تهيئة المناخ وتحقيق أرضية من الصلاح تنطلق فيها طاقات الأمة وتزداد فعالياتها لتحقيق مقصود الاستخلاف والعمران، وتجسيد مثاليتها في الواقع المعاش.
والعكس صحيح أيضا: إذ كلما تضخمت السلطة؛ توارت الأمة وضعف دورها، خاصة أن الواقع الموضوعي والنفسي لأجهزة السلطة وأفراد الحكم كل ذلك ينزع نحو التضخم وزيادة الصلاحيات، والارتفاع فوق الأمة. ويفاقم هذا الوضع تضخم أجهزة السلطة وتشعبها في واقعنا الراهن حتى وصلت إلى جميع أنشطة الحياة؛ فالسلطة لم تعد تملك أدوات العنف المشروع من جيش وشرطة فقط، بل بات لها القدرة على التلاعب بالعقول والأفئدة، وتشكيلها بما تملكه، أو يملكه المتحالفون معها، من أدوات وأجهزة"صناعة المعاني"من تعليم وإعلام!.
والوجه الثاني لحضور الأمة: هو"تهميش السلطة"أو انتشارها في الأمة، ليأخذ كل فرد من أفرادها ومؤسسة من مؤسساتها بنصيبه منها، حيث إن مفهوم"السياسة"-في خبرتنا الحضارية- يجعل هناك سياسة الفرد لنفسه"ومن لا يصلح لسياسة نفسه لا يصلح لسياسة غيره"، وسياسة المرأة لبيتها، وسياسة مؤسسات الأمة التي في القمة منها السلطة بالمعنى العام؛ ففي الحديث"كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته...".
وإذا ما مارس أو باشر كل فرد مسئولياته، توزعت السلطة في الأمة، بما يؤدي إلى تهميش السلطة وعدم تغولها، بما يحد من سطوتها على الأمة: موارد وأفرادا ومؤسسات، خاصة أن جوهر المسئولية ومضمونها في الرؤية الإسلامية ليس مباشرة السلطة، بل القيام بالرعاية التي وإن كانت تتضمن معنى السلطة، إلا أنها ليست المكون الوحيد، بل هي جزء من مكونات متعددة يتعلق جوهرها بالتربية، والاستصلاح، والتنشئة على الخير.