فحين يذهب هذا التأثير المباشر ، فمن الطبيعي أن يرجعوا إلى ذواتهم ويعيشوا في هذه الحدود . نعم . ولكن ما هذه الحدود ؟
إنها الحدود التي يصنعها الإِسلام .. وفرق بين الإِسلام وبين شخصيته الرسول !
"يا أيها الناس: من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت !"
تلك الكلمة الصادقة التي قالها أبو بكر رضي الله عنه عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .
والإِسلام كلمة الله .. فهي كلمة حية لا تموت !
وتأثير الإِسلام في نفوس الناس دائم ، لأنه يعقد الصلة المباشرة بين قلوب الناس وبين الله .. الحي الذي لا يموت .. فيتبعون كلماته ، ويربون أنفسهم على ما يريد .
ثم إن تاثير شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مقصورًا على فترة حياته ، فالقدوة فيه والأسوة قائمة كا فتح الناس لها القلوب ..
ومن هنا ظل الناس مسلمين بعد وفاة الرسول !
وإذا كانت الفترة"المثالية"من حياة الإِسلام لم تدم ، ولم يكن مقدرًا لها في علم الله وفي طبائع الأشياء أن تدوم ، فقد كان ينبغي أن توجد ، لتظل صورة باهرة معروضة للأنظار ، تحاول الأجيال المتعاقبة منها ما تستطيع ، ويصل إلى مستواها الرفيع أفراد متعاقبون على مدار الأجيال ، يعيدون للإِسلام قوته وحيويته كلما بعد العهد ، وطالت الشقة ، وتهاوى الناس في الطريق !
وتلك - فيما نحسب - حكمة وجود تلك الفترة النادرة بكل مثاليتها ، كما قدرها الله في عليائه ، وكما تحققت في واقع المسلمين في أربعة عشر قرنا توالت فيها الظلمات والنور !
كان من المروض إذن أن يستمر المجتمع الإِسلامي مسلمًا ، ويمتد في أرجاء الأرض ، ويقيم قواعد الإِسلام ، ويعيش في مفهومه .. إلى ما يشاء الله بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام .
وقد حدث شيء كبير من ذلك الأمر المفروض ، ولفترة طويلة جدًا من التاريخ .
لم تستو الحياة - في كل جوانبها - على الأفق الأعلى الذي كان وقت حياة الرسول وخلفائه الراشدين ، ولكنها ظلت مع ذلك عالية .. عالية جدًا بالنسبة لكل ما عرفته الأرض من نظم وقيم وحضارات .
وقد مر بنا من قول المستشرق ولفرد كانتول سميث أن المحاولة الإِسلامية لنشر العدالة بين الناس كانت وما تزال أشد المحاولات جدًا وأكثرها جهدًا . كما مر بنا من أقوال غيره من المستشرقين ما يبين كيف امتد المد الإِسلامي في مختلف مرافق الحياة حتى شمل الأرض المعروفة كلها في ذلك الحين ، واستضاءت به أوربا في كل مرفق من مرافق نهضتها الأخيرة في العصر الحديث .
والمعاني"الإِنسانية"التي رسخها المسلمون في الضمير البشري ، والتي التقطتها أوربا في الحروب الصليبية مرة ، وفي الجامعات الإِسلامية في الأندلس والشمال الأفريقي مرة .. داخلة كما مر بنا من قول بروبفولت في كل الأسس الحضارية التي يقوم عليها العالم المتحضر اليوم .
فليس صحيحًا إذن ما اندس في أوهام بعض المسلمين أنفسهم ، من أن الإِسلام قد انتهى بعد فترة الرسول والخلفاء الراشدين !
الصحيح فقط أن الفترة المثالية قد انتهت ، وبدأت فترة"عادية"من تاريخ الإِسلام ، وإن كانت - وهي عادية بالنسبة للإِسلام - أعلى فترة في تاريخ الأرض .
ولكن خط الانحراف بدأت منذ ذلك الحين .
بدأ منذ العصر الأموي أول كسر في المبدائ الإِسلامية في سياسة الحكم وسياسة المال ، إذ بدأ"الملك العضوض"بنظامه الوراثي ومظالمه ، وبدأ ما يشبه الإِقطاع في محيط الأمراء وأتباع السلطان .
ومع ذلك فقد ظل المجتمع إسلاميًا في مجموعه . كانت العاصمة وحدها هي التي فسدت . فسدت فسادًا جزئيا في سياسة الحكم والمال بالنسبة للملوك والأمراء . ولكن ما زال أولئك الحكام أنفسهم - رغم انحرافهم - يقرون بمبادئ الإِسلام ويحكمون شريعة الله في شئون الناس ، كبيرها وصغيرها ، مع التحايل عليها أحيانًا فيما يختص بأشخاصهم وأقربائهم قي شئون الحكم والمال .
وهو فساد ما في ذلك شك . ولكنه كما قلنا فساد جزئي لم يتعد العاصمة إلى بقية المجتمع الإِسلامي . ولم يتأثر به المسلمون - إلا قليلا - في حياتهم اليومية ، فظلوا يعيشون في مفهوم الإسلام ويكيفون به حياتهم ، ويعملون - في عالم الواقع - على نشر المد الإِسلامي في بقاع الأرض ، شاعرين بالعزة التي قررها الله لذاته - سبحانه - ولرسوله وللمؤمنين . شاعرين بالاستعلاء الذي يصنعه الإِيمان في نفوس المؤمنين . شاعرين بالتبعة الكبرى التي يفرضها الإِيمانا عليهم في ذوات أنفسهم وفي مجتمعهم . شاعرين بالإِخاء الحقيقي الذي يجمع المؤمنين بعضهم إلى بعض . شاعرين بالمودة والتعاون . شاعرين أنهم أمة واحدة: يدخل المسلم إلى أي قطر من أقطار الأرض المسلمة ، فإذا هو - بصرف النظر عن الحكومات وخلافاتها - أخ لكل من فيه من المسلمين ، يتلقى منهم المودة والمعونة والأخوة ، ويمنحهم من نفسه ما يمنحونه من نفوسهم . شاعرين أن المال مال الله ، والناس كلهم شركاء فيه ، لا الغني مستأثر ولا الفقير محروم . شاعرين أن سلوكهم الشخصي ينبغي أن يكون مطابقا لما يريده الله ورسوله . بقدر ما وسعهم من جهد - وهو جهد كبير في واقع الأمر - وأن شريعة الله هي المصدر الدائم للحياة ، والدستور الذي لا دستور غيره لحكم حياتهم وتنظيم العلاقات بين الناس . وأن عليهم أن يعملوا في عالم الواقع بالعلم والعمل والجهد الجاد لتحقيق الاستعلاء والقوة ، وهداية البشرية كلها إلى النور .
وفي ذلك كانت الفتوح التي يعرفها التاريخ في كل مناحي الحياة .
ثم جاء العصر العباسي .. ودخل الفرس في توجيه سياسة الدولة وتشكيل صورتها . ودخل في"الفكر الإِسلامي"بعض المفاهيم الغريبة عليه - وأبرزها الصوفية والفلسفة النظرية التجريدية الغريبة على التصور الإِسلامي في واقعيته المثالية - كما دخل العاصمة كثير من ألوان الفساد الخلقي ، وانتشر في قصور الخلفاء والأمراء والأتباع جو من اللهو والفسوق والتفاهة والانصراف عن الكدح والجد .. لا يعرفه الإِسلام ولا يمكن أن يسيغه . من جوارٍ ومطربين وملهين ، وألوان من البذخ الفاحش ، والترف الفاجر ، و"أدباء"يُمِدُّون لهذا كله ليرتزقوا .. ويقدمون المادة المتعفنة التي تستهلكها هات القصور ، ويبعدون"بالفن"عما يمكن أن يكون فنًا إسلاميًا حقيقيًا ، ينبع من الحقيقة الإِسلامية الكونية ويترجم عنها ، ويجعلون منه أداة للزلفى حينًا ، وللتلهية والتطريب حينًا آخر .. وقلما يعبرون فيه عن معاني الحياة .
وانعكس شيء من هذا كله على المجتمع الإِسلامي ولا شك . ولكنا نأخذ صورة غير صحيحة عن هذا المجتمع إذا تصورناه كله على صورة العاصمة الفاسدة المنحلة ، وقصور الخلفاء والأمراء والأتباع التي تزخر بالترف والفجور
ولئن كانت كتب التاريخ - والغربي منها خاصة - قد عنيت عناية كبيرة بإبراز هذه الصورة للإِسلام في تلك الفترة ، فالذي يعرف - إلى ما قبل جيل واحد - كيف كانت تعيش العاصمة وكيف كان يعيش الريف في كل البلاد الإِسلامية ، يدرك من فوره ذلك الفارق الكبير بين الحياتين ، ويدرك أن فساد العاصمة وتبذّلها لا يعني شيئًا كثيرًا بالنسبة لبقية المجتمع ، المحافظ على تقاليده ، بعيدًا عن العاصمة وترفها المجنون .
ونحن هنا لا نؤرخ - كما تصنع كتب التاريخ - لملوك المسلمين و"خلفائهم".. وإنما نستعرض تاريخ المجتمع الإِسلامي ، تاريخ الأفراد العاديين الذين يكوّنون مجموع الأمة ، ويمثلون حقيقة الفكرة التي يعتنقونها .