وتذكر السير أن القرامطة هجموا على الحجاج في بيت الله، وذبحوا الطائفين حول الكعبة، واقتلع الخبيث أبو طاهر القرمطي الحجر الأسود من الكعبة، وظل يصرخ بأعلى صوته في صحن الكعبة: أين الطير الأبابيل ؟! أين الحجارة من سجيل ؟. وظل الحجر الأسود بعيدًا عن بيت الله ما يزيد عن عشرين عامًا، ثم رد الله الحجر، وانتصر الإسلام على القرامطة .
وفي بداية القرن الهجري السابع داهم التتار بلاد الإسلام إلى أن وصلوا إلى عاصمة الخلافة بغداد، فأشبعوها دمارًا وتخريبًا، وتقدمت جيوشهم بقيادة الإرهابي التاريخي"هولاكو"واقتحموا بلدان الخلافة واحدة واحدة وارتكبوا الأهوال والفظائع وأحرقوا كل أخضر ويابس، ولم يعرف المسلمون أنذاك مثل هذا الزحف الحاقد على دين الإسلام ، وتمركزت جيوش التتار في بلاد الشام ، فبعث الله سبحانه روح الغيرة في"سيف الدين قطز"حاكم مصر، وفي عام 658هـ أي بعد عامين فقط من سقوط الخلافة العباسية في بغداد، أعد سيف الدين قطز عدته لمواجهة التتار، ونادى منادي الجهاد أن حي على الفلاح ، وقدَّر الله لمصر أن تخوض حربًا مظفرة، هي أحوج ما تكون إليها في هذا اليوم ، وأخذ القائد قطز كافة احتياطات الإعداد للمعركة، فاتصل بأمراء الشام، وتدارس معهم عزمه على خوض معركة الجهاد، وأخذ الحيطة من الفرنجة المتواجدين على شاطئ عكا، وعهد إلى الشيخ العز بن عبد السلام بإقامة ديوان خاص مهمته الدعوى إلى الجهاد في سبيل الله فجنَّد هذا الديوان الدعاة والوعاظ ، وسيَّرهم إلى قلب المدن والقرى، يبينون للناس معاني فريضة الجهاد، ويستحثونهم على القيام بهذا الواجب العظيم، وكان لهذه التعبئة الشعبية العامة أثر كبير في تجميع المجاهدين ومبايعتهم على الخروج في سبيل الله، مع وضوح الهدف من الحرب والقتال ، فدحروا هولاكو وجنوده وخلصوا ديار الإسلام من فسادهم وأعادوا الخلافة وصدق الله القائل { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ } .
وفي خضم هذه الأحداث اتخذت الكنيسة الأوربية قرارًا خطيرًا لوقف المد الإسلامي وذلك بإعلان الحرب على البلاد الإسلامية وتحطيم شوكة الإسلام ومنعه من الانتشار باتجاه الديار الأوروبية النصرانية ، فحشدت الحشود، وغطت الميزانيات بأموال طائلة، وأوجدت الغطاء الذي يمكنها من تنفيذ مخططها فأعلنت أنّ هدف حملاتها هو «تحرير» القدس وإنقاذها من أيدي «البرابرة» المسلمين الذين غزوا بلادنا وهتكوا مقدساتنا المسيحية. فاندلعت الشرارة الأولى للحملات الصليبية عام 1096م ولم تنطفئ إلاّ بعد عام 1291م، واستمرّت زهاء قرنين تقريبًا، استنزفت فيها أوروبا كل طاقاتها المادية والبشرية والحضارية، وباتت أشبه بمتسكع يذرع الطرقات بحثًا عن مأوى أو غذاء. ولم تثمر عن أيّ شيء يمكن أن يكون مدعاة للافتخار أو إنجازًا حيويًا في طريق الأهداف التي نشدتها الكنيسة من قبل.
لقد كانت هذه الحملات تهدف إلى تدمير الإسلام على كافة الأصعدة من خلال ضرب العمق الاستراتيجي للدولة الإسلامية المتمثل في مدينة القدس المقدسة. فهذه الحروب إنما كانت تمثل مرحلة استراتيجية اتخذتها الكنيسة كوسيلة فاعلة مرحلية للوصول إلى الهدف المنشود، وآلية تكتيكية راهنة رأت الحاجة إلى استخدامها لتحطيم الوجود الحضاري للإسلام .
ولكن الله تعالى قيض الملك الناصر صلاح الدين الذي أقسم أن يحرر القدس وأن لا يبرح حتى يبر قسمه، ويرفع بأعلاه علمه، وتخطو إلى زيارة موضع القدم النبوية قدمه . فانطلقَ إلى مواجهةِ الصليبين الذين اتفقوا ضدَهُ وجمعت جميعُ الدولِ الأوربية جيوشًا كثيرة ً لمحاربته فكان بينهم وبينَه وقائعُ كثيرة نصرَه الله فيها عليهم ، ثم كانت معركةُ حطين التي تلاها فتحُ بيتِ المقدسِ وقد عُدَّت هذه المعركة مفتاح الفتوح الإسلامية إذ بها تيسر فتح بيت المقدس. ولم تستغرق أكثر من يومين أو ثلاثة أيام مما يجعلها من أقصر المعارك الحاسمة عبر التاريخ .
وبعد هذا النصر التاريخي الكبير وبفعل الاحتكاك بين المسلمين والغرب أثناء وجودهم في الأندلس ، فقد أحدث الإسلام اهتزازًا شديدًا في بنيان الوحدة الروحية للغرب، وقدم أنموذجًا حضاريًا بديلًا يمتاز بتنافسه وحركته الإبداعية المتسارعة وقدرته الهائلة على الانفتاح والاستيعاب وأعرب مثقفو الغرب عن شعور عام بالاندهاش أمام المسلمين، وبدا ذلك لهم وكأنه خطر على المسيحية .
وكان على الكنيسة اتباع برنامج دقيق يقوم على آلية عالية تعمل ليل نهار لرسم صورة سلبية عن الإسلام من خلال تشويه صورته الحضارية وما يصل منها إلى مسامع الغربيّين بغية تغيير ما ترسخ في الوعي الغربي من إيجابيات الشرق الإسلامي .
ترافق ذلك مع شعور الكثيرين من أصحاب القرارات السياسية والمفكّرين الاستراتيجيّين أن الصراع العسكري مع الإسلام لا يجدي نفعًا ولا يكفي وحده لإسقاطه ودحره، وأنّه لابدّ من التفكير بعمق في تنظيم برنامج عمل كامل يقوم بدراسة وفهم مضامين الفكر الإسلامي ومعرفة مواضع القوة والضعف فيه كمرحلة أولى، ثم محاولة نقضه وإحداث الشرخ في جدرانه لغرض اختراقه وتحطيمه من الداخل، ثم ضرب إرادة المقاومة عند هذا الخصم العنيد ثم استئصاله نهائيًا. فقوة المسلمين إنما هي بالإسلام ، وفي حالة حدوث الانفصال بينهما، عندئذ يمكن كسر قوة المسلمين ودحر جحافلهم المنتشرة حول أوروبا.
ومن هنا دخلت المواجهة بين الإسلام والغرب المسيحي مرحلة جديدة مبنية على استراتيجية جديدة تعتمد أسلوب التنصير سلاحًا لها لضرب الإسلام وحظر وجوده . وبدأ النشاط التبشيري يأخذ صفة الجدّية ، فكانت الخطوة الأولى التي قام بها الأب (بطرس المبجّل) أن رعى أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية فأنجزت عام 1143م معلنًا هدفه من عمله هذا قائلًا: ( إنّ نقطة البداية في حرب الإسلام هي القرآن ) ، ثم توجه بعض الرهبان الغربيّين فقصدوا الأندلس إبّان مجدها وانضمّوا إلى مدارسها وتثقفوا في جامعاتها وتعلّموا على يد علماء الإسلام في مختلف العلوم والمعارف. وبدأ النشاط التبشيري يأخذ صفة الجدّية .