ثم بدأ التحرك الاستشراقي ينشط أكثر فأكثر في هذا الصعيد، خاصة بعدما أرسل «فرانسوا الاسيزي» ستة من الرهبان إلى بلاد المغرب فسلكوا الطريق عبر إسبانيا وهم متنكرون بثياب التجار. وتوالت الرحلات تلو الرحلات بعدها. وفي عام 1311م حثّ «ريموندليل» المجلس العالي في فيينا على تأسيس مدارس للعربية ولغات شرقية أخرى لغرض العمل التبشيري بين المسلمين . وعلى هذا الترتيب انطلق المخطط الجديد، وبدأ التنفيذ وشرع هؤلاء بالتقاطر على شكل دفعات متوالية إلى البلاد الإسلامية وتحت واجهات عديدة وبأسماء إسلامية من باب توزيع الأدوار بدقة عالية بهدف إيجاد صراعات حادّة داخل المجتمع المسلم تؤدي إلى تبديد طاقاته ودفعه إلى الضعف والتبعية. ثم تأتي عمليات التشويه لزلزلة إيمان الأمة وتشكيكها بتراثها وهويتها، ضمن عملية غزو ثقافي مدروس يستهدف تحطيم قوة التماسك التي يمتلكها الاسلام. يقول محمد أسد: إنّ الشرّ الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح ، ولكنه قبل كل شيء وفي مقدمة كل شيء كان شرًا ثقافيًا. لقد نشأ تسميم العقل في الغرب... في ذلك الحين استقرّت تلك الفكرة المضحكة في عقول الأوربيين من أن الإسلام دين شهواني وعنف حيواني، وأنّه تمسك بفروض شكلية وليس تزكية للقلوب وتطهيرًا لها. ثم بقيت هذه الفكرة حيث استقرت ثم أصبح احتقار الإسلام جزءًا أساسيًا في التفكير الأوربي .
إن الإسلام يشكّل تحديًا دينيًا وفكريًا وسياسيًا وثقافيًا بارزًا للنصرانية واليهودية معًا، ويحتل موقعًا واسعًا على كل المستويات، ولو قدّرت له السلطة على العالم لتوقفت المسيحية عن مسرح الحياة كقوة سياسية منظمة في العالم، وأُلغيت اليهودية عن الوجود كقوة إقتصادية هائلة. وهذا ما دفع الدوائر الغربية والمراكز الصهيونية العالمية إلى استخدام كافة الطرق والإمكانات ليس لصدّه والحدّ من انتشاره عقائديًا فحسب ، وإنما لطمس معالمه وآثاره والعمل على محوها أو تشويهها في شتى المجالات ، فكانت الحرب الثقافية والغزو الفكري والعولمة .
لقد وجد الغرب أنّ خير طريق لغزو العالم الإسلامي وإخضاعه هو سلوك هذا الطريق ، فوضعوا المخطّطات والبرامج الدقيقة لذلك، وحاكوا المؤامرات للغارة على العقيدة والثقافة الأفكار والمفاهيم الإسلامية وعلى كل ما له صلة بالإسلام حضارةً وفكرًا، وأضحت قاعدتهم التي ارتكزوا عليها هي «إذا أرهبك عدوّك فأفسد فكره ينتحر به ومن ثم تستعبده» وانتقلت المعركة من ساحة الحرب إلى ميدان الفكر والثقافة .
يقول الأسقف «دي ميستيل» وكيل إدارة البعثات التبشيرية في الشرق بروما بصراحة: إنّ الهدف الذي يتعيّن علينا تحقيقه هو تحطيم قوة التماسك الجبارة التي يتمتع بها الإسلام، أو على الأقل إضعاف هذه القوة.
وفي عصرنا الحاضر لم تقتصر الحروب على الغزو الفكري وحملات التنصير والتشكيك والتذويب والتمييع بل استأنفت ملل الكفر حروبها العسكرية على أجزاء متفرقة من جسد الأمة لفرض المدنية الغربية والقيم النصرانية بالقوة بعد أن أثبت الغزو الثقافي عجزه عن تحقيق الهدف المنشود منه ، فلا زالت الصحوة تنتشر ولا زال المسلمون يعودون إلى دينهم بكثرة ولا زال الإسلام ينتشر في أنحاء شتى من العالم وبخاصة في الغرب ، فكان لا بد من العودة إلى سياسة الاحتلال القديمة لفرض قيمهم ومعتقداتهم ، تمامًا كما فعلوا قديمًا في الجزائر، حيث يقول أحد المستشرقين عن ذلك: إنّ استعمار الجزائر إنّما هو بسط القانون ومنافع المدنية على السكّان الهمجيّين ، وأقرب أسلوب عقلي لهذا هو أن يتمّ عن طريق الاستعمار المسيحي والمدنية الدينية.
ولأجل ذلك قدمت دولة يهود تجربتها في حرب المسلمين واحتلال ديارهم إلى الحكومات التي تحارب المسلمين في الفلبين والهند وروسيا وصربيا , وعقدت اتفاقات بينها وبين هذه الحكومات للتعاون في المجالات الأمنية وتبادل المعلومات لمحاربة الإسلام . وهي تحاول إقناع هذه الحكومات بأنهم جميعًا يواجهون خطرًا واحدًا مشتركًا ينبغي أن يتكاتف الجميع للقضاء عليه . تتوجه إلى هدف واحد هو إخراج المسلمين من عقيدتهم وطمس هويتهم , وإشعار الضحية المحاصرة بأنه لا سبيل أمامها إلا الاستسلام أو الإبادة .
وهذا ما حدث في البوسنة والهرسك وفي كوسوفا ، وحدث ولا يزال في الشيشان ، وهو نفس المشهد المأساوي الذي يحدث أمام أعيننا يوميًا في فلسطين .
أما في الاتحاد السوفياتي السابق فقد جرت أكبر عملية في التاريخ للقضاء على الإسلام بأساليب علمية وتكنولوجية حديثة وفي مناخ أيديولوجي بالغ القوة محكم الإغلاق وتحت نظام بوليسي فاق جميع الأنظمة الاستبدادية التي عرفت في التاريخ الحديث. فسنت الحكومات الشيوعية قوانين تحرم على المسلمين الصلاة والصيام والحج والزكاة وحرمت طباعة المصحف وأي كتاب ديني ،وفرضت رقابة رهيبة على تداول هذه الكتب وعلى منع ممارسة الشعائر الدينية . وأنشئت مدارس لتعليم أطفال المسلمين أصول الإلحاد , وإدارات علمية لنشر الإلحاد في نفس المدارس والمساجد التي كان يتعلم فيها المسلمون دينهم . وسخَّرت الدولة عشرات الألوف من خبراء الإلحاد ومئات الملايين في الروبلات , وأصدرت ملايين النسخ من الكتب الإلحادية ومئات الصحف والمجلات والأفلام لمحاربة الإسلام وتشويه تاريخه .واستطاعت الدولة الشيوعية أن تنشئ أجيالًا من أبناء المسلمين لم يسمعوا كلمة واحدة عن الإسلام . وتحت رقابة الـ"كي جي بي"وإرهاب الدولة البوليسية كان الشباب المسلم يلقَّن أن الإلحاد هو شرط الحصول على وظيفة ، وهو شرط البقاء والترقي فيها ، وهو شرط الإفلات من اضطهاد الـ"كي جي بي".
ومع ذلك فإن جهود السوفييت في نشر الإلحاد بين المسلمين على مدى خمسة وسبعين عامًا لم تؤت ثمارها المطلوبة ولم تستطع تحقيق أهدافها كاملة في استئصال الإسلام من الاتحاد السوفيتي , وقد عبر المخططون والخبراء عن خيبة أمل كبيرة .ولذلك سخَّرت الدولة مجموعة كبيرة من علماء الاجتماع والدراسات السكانية خلال الثمانينيات من القرن العشرين لدراسة هذه الظاهرة في مجتمعات المسلمين , وقد أثبتت هذه الدراسة أن الإسلام في الاتحاد السوفيتي - رغم كل شيء - لم يمت وإنما لا يزال ينبض بالحياة وأن الشعوب المسلمة لا تزال تتنفس الإسلام وتتمسك بعقيدتها وتمارس شعائر دينها بأساليب خفية , ولكي يصف الدارسون هذه الحالة وصفًا علميًا مقننًا قاموا بتصنيف المسلمين إلى فئات وفقًا لدرجة تمسكها بالعقيدة والالتزام بأداء الشعائر الدينية .وأسفرت نتائج الدراسة"المسحية"عن حقيقة مذهلة وهي أن الملحدين - بين المسلمين - إلحادًا حقيقيًا يمثلون نسبة ضئيلة منهم , وحتى هؤلاء لا يعترفون بإلحادهم ناهيك أن يفاخروا به .
وهكذا بعد خمسة وسبعين عامًا في مدرسة الإلحاد الكبرى تسقط واحدة من أقوى الدول ويتوارى أعتى الملحدين فَرَقًا من هيبة الإسلام الذي كان طيلة تلك المدة مكبلًا بالأغلال .