أيها الإخوة المضحون، ينبغي لكم الإحسان في الذبح بحد الشفرة وإراحة الذبيحة والرفق بها وإضجاعها على جنبها الأيسر، والسنة أن يأكل المسلم من أضحيته ويهدي ويتصدق منها، وأن يتولى ذبحها بنفسه، أو يحضرها عند الذبح، ولا يعطي جازرها أجرته منها، يقول عز وجل: فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ [التكاثر:2] ، ويقول جل وعلا: وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَالهكُمْ اله واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذالِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَاكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج:34-37] ، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
إخوة الإيمان، يعد هذا الاجتماع المهيب في هذا اليوم العظيم بآثاره الحميدة وحكمه السامية مظهر من مظاهر الوحدة الإسلامية، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] ، إِنَّ هَاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الأنبياء:92] ، ومعلم من معالم الأخوة الإيمانية التي جاء بها هذا الدين الإسلامي الحنيف الذي أكمله الله وأتمه للبشرية، ورضيه لنا دينا، فلا يقبل الله من أحدٍ دينا سواه، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85] ، لقد جاءت هذه الشريعة السمحة فأشرقت على أصقاع المعمورة أنوار الإيمان، ورفرفت على أرجائها رايات العز والأمن والاطمئنان، بعد أن كانت البشرية غارقة في أوحال الشرك والوثنية، ومستنقعات الرذيلة والإباحية، وأودية البغي والظلم والجاهلية، فحمل المصطفى راية الدعوة إلى الحنيفية السمحة، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وكانت دعوته عليه الصلاة والسلام مرتكزة على أهم قضية على الإطلاق وأصل القضايا باتفاق، تلكم هي قضية العقيدة وتوحيد الله جل وعلا في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، فلا إله غيره، ولا رب للناس سواه، بذلك أنزلت الكتب وأرسلت الرسل، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ [النحل:36] ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30] ، فمن الذي خلق العباد ورزقهم وأمدهم بالأسماع والأبصار والعقول والأفكار إلا الله وحده؟! وما سواه من ملك أو نبي أو ولي أو بشر أو حجر أو شعر أو قبرًا أو ضريح أو سواه كائنًا ما كان لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، فالعجب أن يستمرئ أناس للتقرب للمخلوق الفقير الضعيف وينسون الخالق القوي الغني ءآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59] ، ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] ، سبحانه وتعالى عما يشرك به المشركون علوا كبيرا، إذا تقرر ذلك ـ يا عباد الله ـ فواجب العباد أن يوحدوا ربهم في جميع أفعالهم وفي كل أحوالهم، فلا صلاة إلا لله، ولا دعاء إلا له، ولا ذبح ولا نذر ولا تقرب إلا إليه، ولا حلف ولا استعانة إلا به، قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] .
فالتوجه إلى غير الله في الخطوب والملمات وكشف الكروب والمعضلات وسؤالهم شفاء المرضى وقضاء الحاجات وجلب المنافع ودفع المضار والكربات، كل ذلك شرك وضيع وجرم شنيع، إنه الذنب الذي لا يغفر، والكسر الذي لا يجبر، إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116] ، فوحدوا ربكم ـ يا عباد الله ـ وأثبتوا له الأسماء الحسنى والصفات العلى، التي أثبتها لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تأويل، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] ، احذروا إتيان السحرة والمنجمين، والكهنة والمشعوذين، وأدعياء علم الغيب والرمّالين، قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ اللَّهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكّلُونَ [الزمر:38] .
معاشر المسلمين، بهذه العقيدة الصافية، وهذا التوحيد الخالص، عزت هذه الأمة وسادت، وسعدت وانتصرت وقادت، اجتمعت كلمتها، وتوحدت صفوفها، وإنه لا عز للبشرية اليوم ولا صلاح ولا سعادة للإنسانية قاطبة إلا بها، فبإتباع كتاب الله وسنة رسوله يتحقق للأفراد والمجتمعات ما ينشدونه، ويأمِّلونه من الخير والهدى، فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:123، 124] ، ويقول فيما صح عنه عند مسلم وغيره: (( وإني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله ) )وفي رواية: (( كتاب الله وسنتي ) ).
ألا ما أحوج الأمة الإسلامية وهي تمر في هذه المرحلة الدقيقة، واللحظات الحاسمة من تأريخها أن تعود إلى مصدر عزتها وقوتها وانتصارها، لا سيما وهي تواجه التحديات الخطيرة، والهجمات الشرسة، من أعدائها الذين يريدون نزع هويتها الإسلامية، وسلب مقوماتها، ونهب خيراتها ومقدراتها، لتكون لقمة سائغة لهم.
فيا أمة الإسلام، هذا دينكم وشرع ربكم وسنة نبيكم بين أيديكم، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، فوالله وبالله وتالله لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها، وإياكم والمحدثات من المناهج والأفكار والأهواء، والطرق والآراء، فإن خير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والعياذ بالله.