ثانيًا - الضعف العلمي وقلة الإحاطة بمصادر الثقافة والتراث الإسلامي الأساسية، لذلك تأتي آراؤهم وأحكامهم ناقصة الأدلة الصحيحة من النص أو الاستقراء .
ثالثًا - الجهل بمراتب المصادر العلمية أو تجاهل ذلك ، ومن هنا يتحكمون في المصادر التي يختارونها ، فتجدهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي ، وينقلون من كتب التاريخ ما يحكمون به في الفقه ، ويصححون ما ينقله الدميري مثلًا في كتاب حياة الحيوان، ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في الموطأ، ويهاجمون صحيح البخاري ، ويمجدون كتاب الأغاني . ( العلمانية للحوالي 550) .
رابعًا - فقدان الأمانة العلمية اتجاه المباحث الإسلامية وذلك لخاصية متأصلة في النفسية الأوربية شهد بها كاتب مطَّلع من بني جلدتهم بعد أن شرح الله صدره للإسلام هو محمد أسد في كتابه الإسلام على مفترق الطرق حيث قال: إن المستشرقين لا يحتفظون تجاه البحث في الإسلام بموقف علمي متزن ... وذكر مجموعة من الطرق التي يلجأون إليها في تشويه الإسلام . (الإسلام على مفترق الطرق 52 ـ55 ، 58 ، 61 ) .
3 -التفسير الخاطئ والفهم السقيم للنصوص: جهلًا أو تعمدًا، وهذا نابع من الحنق على المسلمين والعداء لهم ، ويلاحظ هذا التفسير الخاطئ في كتابات المستشرقين عن كثير من القضايا الإسلامية مثل الجهاد والرق ، ومكانة المرأة في الإسلام ، والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمذاهب والفرق الإسلامية... الخ ، لأن مثل هذه القضايا لا تفسر بناء على الوقائع التاريخية وحدها بل لابد للكتابة فيها من معرفة الأحكام الشرعية وأصول التفسير والفقه وقواعد الشريعة، لأن معرفة هذه الأصول أمر لازم لمن يحلل النصوص التاريخية عن هذه القضايا ويفسرها، وهذا الجانب من المعرفة مفتقد عند عامة من كتبوا في التاريخ الإسلامي من المستشرقين .
إن من المعلوم أن التاريخ ليس هو الحدث وحده بل هو الحدث وتفسيره والحدث وباعثه . ولاشك أن العقيدة تأخذ جانبًا كبيرًا في تحديد البواعث والأهداف ، ومن هنا تأتي ضرورة معرفة الاتجاهات العقدية عند من صنعوا الحدث ومن كتبوه ومن فسروه ، حتى نستطيع أن نقدر التقدير الصحيح والنسب الحقيقية لكل العناصر الفاعلة في الحدث التاريخي ، فلابد من إدراك هذه العناصر الثلاثة الفاعلة ومعرفة أثر كل عنصر منها وحجمه ، حتى نفسر الحدث التاريخي تفسيرًا صحيحًا .
4 -الاعتماد على مجرد الهوى في النقد والتحليل للحوادث التاريخية: كثير من المستشرقين وبعض من تأثر بهم يدعون مناقشة القضايا بمنطق العقل والعلم ولكن إذا فتشت في كتبهم وجدت أن ذلك مجرد دعوى لا دليل عليها بل الواقع يناقضها ، وأن نقدهم للنصوص والأخبار هو بمجرد الهوى والتذوق والميل الشخصي، ومن أمثلة ذلك (طه حسين) في كتابه ( على هامش السيرة ) ، الذي قيل إنه أحسن كتاب له في الإسلاميات، وتراجع فيه عن كثير من آرائه السابقة فكثيرًا ما يستخدم عبارات مثيرة للشكوك مثل: (قيل ويقال ويروى ، وأكاد أقطع ، وأكبر الظن ..) وقال عن حديث متفق عليه:"وأكاد أقطع أن هذا الحديث مهما كان سنده غير صحيح". ( على هامش السيرة 133 ) .
5-ومن أساليبهم: إضعاف دراسة التاريخ الإسلامي ومزاحمته بغيره:
مما يضعف شأنه في نفوس الدارسين ، ويعطى لهم بصورة مختصرة ومشوهة ، بينما يفسح المجال لدراسات واسعة في التاريخ القديم ، ويربط سكان كل منطقة بتواريخ الأمم الجاهلية التي عاشت فيها ، ففي مصر الفرعونية ، وفي العراق البابلية والسومرية ، وفي بلاد الشام الفينيقية ، وفي اليمن السبائية والحميرية ، مما يحيي الوطنيات العرقية الضيقة في النفوس ويفتت الوحدة الإسلامية ويشتت أوصالها. 6ــ تصوير المسلمين في هذه العصور التي فسد فيها الناس على أنهم يمثلون الصورة الحقيقية للإسلام:وهذا تشويه متعمد ومغالطة للحقائق الثابتة ، والغرض من ذلك تزهيد المسلمين في دينهم والفصل بينهم وبينه ثم يجعلون المسلم بين خيارين إما أن يصبر على التخلف إذا أراد التمسك بدينه ، وإما أن يأخذ سبيل التقدم لكن عليه أن ينبذ دينه كما نبذت أوربا دينها ، ويخفون في دهاء ومكر الخيار الثالث الذي هو البديل الصحيح عن الخيارين السابقين، وهو النهوض بالأمة والرجوع بها إلى مستوى دينها الحق، وأن ما وقعت فيه الأمة من التخلف والانحطاط هو نتيجة طبيعية لتخلفها في عقيدتها وإسلامها، لا نتيجة تمسكها به كما يصور ذلك أعداؤها... .
هناك فرق بين الإسلام ؛ وبين الخرافة التي كانت عليها أوربا وتسميها دينًا ، فمن الثابت أن أوروبا لم تتقدم ماديًا وعسكريًا وعلميًا إلا بعد أن نبذت الخرافة وتخلت عنها وحررت عقلها من آثارها فإنها لم تكن على دين بل كانت على خرافة. ولا شك أن هذا الأسلوب في عرض المسألة وتصويرها هو من التلبيس المتعمد والتشويه المقصود الذي حاول المستشرقون زرعه في قلوب الناشئة من أبناء العالم الإسلامي.
7 -إبراز دور الفرق الضالة وتضخيمه: مثل الخوارج، والرافضة، والقرامطة وإخوان الصفا، والمعتزلة ، والجهمية وأيضًا من الشخصيات الضالة مثل ابن سبأ ، وعبيد الله بن ميمون القداح ، والحاكم العبيدي، وصاحب الزنج ، والحلاج ، وابن عربي ، وغيرهم فنشروا أفكارهم وكتاباتهم واعتنوا بتاريخهم وضخموا أدوارهم وأقاموا المراكز والجمعيات لخدمة ذلك ، مع تصويرهم لحركاتهم وإبرازها على أنها حركات إصلاحية ومعارضة للفساد ، تزويرًا للحقائق وإخفاء للأهداف الحقيقية التي تسعى تلك الفرق وأولئك الأشخاص إلى تحقيقها وهي تحطيم الخلافة الإسلامية ، وتبديل مفاهيم الدين الصحيحة بمفاهيم باطنية ووضعية ، والكفر ملة واحدة والكفار بعضهم أولياء بعض لذلك لا نستغرب من المستشرقين إحياء تراث الفرق المنحرفة والشغب بها وبرجالها على التاريخ الإسلامي ، ومزاحمة سير رجاله وأبطاله ودعاته بسير قادة الفرق الضالة واتهام المؤرخين المسلمين بالتعصب ضدهم وتحريف تاريخهم، لا نستغرب ذلك لأنه مقتضى كفرهم وعداوتهم لأهل التوحيد والإيمان فهم يكيدون للمسلمين ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ولا يتوقع من ملل الكفر عدل ولا إنصاف، ولكن المستغرب أن يناصرهم ويشايعهم من ينتسب للإسلام فيقوم بنشر سمومهم بين بني جلدتهم من المسلمين ليصرفوا به الأغرار عن الصراط المستقيم .
هذه بعض الوسائل التي استخدمها دعاة الغزو الفكري في تشويه تاريخ الأمة الإسلامية ودينها، وهي ليست كل الوسائل ففي حصرها صعوبة بل لا تنحصر لأنها تتجدد حسب الظروف والمقتضيات وحسب الأهواء والرغبات ، ولأن كيدهم مستمر كما أخبر تعالى في كتابه: { ولَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ ولا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } وقال عز وجل: {ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا } .
وأخيرًا: تنبيه لأهل الترجمة: يقع كثير من الذين يترجمون معاني القرآن والألفاظ الإسلامية الأخرى إلى اللغات الأجنبية في فخ المصطلحات غير منتبهين إلى خصوصية المصطلح الإسلامي إن كان اصطلاحيًّا أو اللفظة القرآنية في محاولة تفسيرها تفسيرًا ميسّرًا .