فهرس الكتاب

الصفحة 1852 من 3028

فبدأت حركة الغزو الفكري بالعمل على ترجمة معاني القرآن ودوواين والسنة ومصنفات المسلمين في شتى الفنون ، للبحث عما توهموه ثغرات يدخلون منها إلى إثارة الشبهات ، وقد أعلنوا صراحة أن الإسلام هو عدوهم الأول، وأن أكبر غاية لهم هي ضرب وهدم قواعده .

يقول (وليم غيفورد لغراف) الإنجليزي المسمى بالحرباء: الكلمة المشهورة التي يلخص فيها عداء الغربيين للإسلام: (متى توارى القرآن، ومدينة مكة، عن بلاد العرب، يمكننا أن نرى العربي، يندرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه) .

وقال (جلاد ستون ) أحد رؤساء وزراء بريطانيا: (ما دام القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان) .

ويرى غاردنر: (أن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا) .

ويوضح هذا العداء، ويذكر بعض أسبابه المستشرق (بيكر) ، فيقول: (إن هناك عداءًا من النصرانية للإسلام، بسبب أن الإسلام عندما انتشر في العصور الوسطى، أقام سدًا منيعًا في وجه الاستعمار، وانتشار النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها) .

ويقول في هذا المعنى (لورانس براون) : (إن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الغربي) ويقول: ( أن خطر المسلمين هو الخطر العالمي الوحيد في هذا العصر، الذي يجب أن تجتمع له القوى، ويُجَيَّشُ له الجيوش، وتلتفت إليه الأنظار ) . ويحكي عن بعض المبشرين قولهم: (إن القضية الإسلامية تختلف عن القضية اليهودية، إن المسلمين يختلفون عن اليهود في دينهم، إنه دين دعوة، إن الإسلام ينتشر بين النصارى أنفسهم، وبين غير النصارى، ثم إن المسلمين كان لهم كفاح طويل في أوروبا - كما يراه المبشرون - والمسلمون لم يكونوا يوما ما أقلية موطوءة بالأقدام) . . ثم يقول: (إننا من أجل ذلك نرى المبشرين، ينصرون اليهود على المسلمين في فلسطين، لقد كنا نُخَوَّف من قبل بالخطر اليهودي، والخطر الأصفر(اليابان والصين) وبالخطر البلشفي ( الاتحاد السوفياتي ) ، إلا أن هذا التخويف كله لم نجده ولم يتحقق كما تخيلناه، إننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد، ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا، أما الشعوب الصفر، فإن هناك دولًا ديمقراطية كبيرة، تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام).

واستمر كره الإسلام في نفس الرجل الأوروبي طيلة القرون السابقة وحتى هذا العصر وبات يخيم عليهم كسحابة سوداء لا تفارقهم ، فعندما دخل اللورد (اللنبي) القدس عام 1918 م أعلن: (الآن انتهت الحروب الصليبية) وكذلك كان مسلك الجنرال الفرنسي (غورو) قائد الجيش الفرنسي في دمشق حين ذهب إلى قبر صلاح الدين، وترجل إلى القبر، وقال قولته المشهورة: (نحن هنا يا صلاح الدين) وفي اليوم التالي ذهب إلى حمص ، ووقف عند قبر خالد بن الوليد رضي الله عنه وقال: (نحن هنا يا خالد) .

تقول الدكتورة (آنا ماري شميل ) عميدة الاستشراق الألماني للعلوم الإسلامية: لكم يبدو لي أحيانًا أنّ خوف الأوربيين من الزحف التركي (الإسلامي) مازال عالقًا بذاكرتهم التي لم تنس وقوف الترك مرتين أمام أبواب فيينا عامي 1529 و1683م كأنّ ذلك الخوف الدفين لم تخب ناره، فتراه يصبغ سلوك كثير من الناس إزاء دين الترك الذي هو دين العرب والفرس ومسلمي شبه القارة الهندية. ( نقلًا عن كتاب «الإسلام كبديل» د. مراد هوفمان: 17. ويجدر هنا التذكير بأنّ فيينا قد احتفلت شهرًا كاملًا في شهر مايس(مايو) 1983م بالذكرى الثلاثمائة لتراجع الترك (المسلمين) من أمام أبوابها ) .

ثانيًا: الضعف الفكري لدى المسلمين: بسبب بعدهم عن هدي الوحيين المعصومين ( الكتاب والسنة ) وسيطرة الجمود والتقليد ، والانبهار بحضارة الغرب والركون إلى الدنيا .

ثم جاء التفكك الاجتماعي نتيجة حتمية للضعف الفكري، لأن الضعف الفكري لا يكشف للإنسان مخاطر الانزلاق في الهاوية . ومجتمعًا كهذا لا بد وأن يتعرض لسيطرة المتربصين به.

إن أي أمة تضعف في أفكارها، ولا تعرف إلا القشور من أمرها، وتعيش في تناحر وتمزق، لا بد وأن تسقط، وينال منها من كان يهابها.

ثالثًا: تخلف الشعوب الإسلامية عن ركب الحضارة:

إن المجتمعات الإسلامية، حين أصابها الضعف الفكري، والتفكك الاجتماعي، انشغلت بالتافه من الأمور ، فقادتها التفاهة إلى التخلف عن ركب العلم، والتقدم، والحضارة. . وكان وضع البلاد الإسلامية، كما صوره شاعر تركيا محمد عاكف: (يسألني الناس أنك كنت في الشرق مدة طويلة. فما الذي شهدت يا ترى، وما عسى أن يكون جوابي ؟ إنني أقول لهم: إنني رأيت الشرق من أقصاه، فما رأيت إلا قرى مقفرة، وشعوبًا لا راعي لها، وجسورًا متهدمة، وأنهارًا معطلة، وشوارع موحشة، رأيت وجوها هزيلة متجعدة، وظهورا منحنية، ورؤوسًا فارغة، وقلوبًا جامدة، وعقولًا منحرفة. رأيت الظلم، والعبودية، والبؤس، والشقاء، والرياء، والفواحش المنكرة المكروهة، والأمراض الفاشية الكثيرة، والغابات المحرقة، والمواقد المنطفئة الباردة، والحقول السبخة القاحلة، والصور المقززة، والأيادي المعطلة، والأرجل المشلولة. رأيت أئمة لا تابع لهم، ورأيت أخًا يعادي أخاه، ورأيت نهارًا لا غاية له، ولا هدف، ورأيت ليالي حالكة طويلة، لا يعقبها صباح مسفر، ونهار مشرق) .

هذا التخلف أضعف الثقة بالنفس، وأوقف عجلة التقدم والانطلاق لدى الشعوب المسلمة، وجعلها تعتمد في كل شيء على غيرها والرضا بالتبلد والخمول وموت الهمة.

ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام

* ــــ مظاهر الغزو الفكري

أولًا: حملات التشويه:

التي مست كل ما يتصل بالإسلام من عقائد، ونظم، وتراث، وتاريخ، وفكر، وحياة.

1 ـــ فهناك محاولة تشويه عقائد المسلمين، بغير سند ولا دليل. يقول رينان الفرنسي، وهو يصور عقيدة التوحيد في الإسلام: (بأنها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم. كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك) .

2ـــ محاولة تشويه القرآن الكريم . يقول المستشرق جب: (إن محمدًا قد تأثر بالبيئة التي عاش فيها، وشق طريقة بين الأفكار والعقائد الشائعة في بيئته، فالقرآن من صنع محمد ومن ملاءمات هذه البيئة التي عاش فيها) .

كانت الخطوة الأولى التي قام بها الأب ( بطرس المبجّل ) أن رعى أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية فأنجزت عام (1143م ) معلنًا هدفه من عمله هذا قائلًا: إنّ نقطة البداية في حرب الإسلام هي القرآن. وقد شكّلت هذه الترجمة الأساس في مجال الدراسات الإسلامية بأوربا الغربية.

كتب المستشرق الفرنسي «أ. م. هذي» يقول: إنّ هذه الترجمة وكل الترجمات التي تلتها لم يكن لها أيّ هدف آخر سوى أن تكون الأساس لتوجيه المزيد من الإدانات ضد القرآن، تلك الإدانات التي امتدّت سلسلتها على مدى قرون تتناثر عليها بعض أشهر الأسماء.

لقد خطا (بطرس ) الخطوة الأُولى في هذا الاتجاه وقام بما لم يستطع غيره أن يقوم به، وبذلك يكون قد دشّن عهدًا جديدًا في العلاقة مابين الغرب المسيحي والإسلام، لكنّها هذه المرة قائمة على مرتكز خطر، ذلك هو اختراق المشرق الإسلامي بسلاح آخر غير السلاح التقليدي، ولا يحتاج إلى القوة في المبارزة، بل كل حاجته إلى الكلمات الرشيقة والمعلومات المفيدة.

وهذا ما كان يؤكّده ( بطرس ) دائمًا، ففي آخر كلماته الموجّهة إلى المسلمين مخاطبًا إيّاهم قائلًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت