فهرس الكتاب

الصفحة 1604 من 3028

والفلسفة النفعية الإنجليزية الشهيرة في منتصف القرن التاسع عشر ، وما تمخض عنها بعد ذلك من مذاهب في علم النفس والاجتماع والسياسة ، وقبل كل ذلك في الأخلاق والسلوكيات ، قدمت هي الأخرى طرحها الخاص لقضية « الآخر» ، أو « الأنا » التي لا يشغلها شيء سوى « حساب اللذة » والحصول عليها بأعظم درجة ، حيث تصبح المشكلة هنا هي كيفية إجراء هذا الحساب للذة والتعظيم للفرد وللأنا في وجه الآخر ، أو بالتنسيق معه وحيث تصبح المشكلة الكبرى في هذا

المذهب وما تفرع عنه من مذاهب ليبرالية وبراجماتية ، هي تحقيق مصالح ولذات وسعادة الأفراد والذوات المادية داخل مجتمع مكون من « ذوات » فردية متضخمة الإحساس بكياناتها ، وكل منها هو « الأنا » لنفسه و « الآخر » بالنسبة لغيره ، وتظهر قضية الآخر في مباحث الإدراك المعرفي عند (الظواهرية) في مطلع القرن العشرين حيث رأت هذه الفلسفة أن عملية اكتساب المعرفة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بذات العارف الفردية ، التي تسعى لاستكشاف الآخر المعرفي أو النفسي أو الشخصي ، وكذلك تظهر قضية الآخر في بعض الفلسفات الوجودية ، ولاسيما في فلسفة (سارتر) ومن لف لفه من الفلاسفة الفرنسيين والأمريكيين وغيرهم ، وهي تظهر هنا على المستوى الفردي البحت حيث يكون هدف الذات المفردة هو « تحقيق الذات » في إطار يكون فيه « الجحيم هو الآخرون » وفق عبارة (سارتر) المشهورة والتي ترى في الآخر (الغريب) الذي ينبغي الدخول في علاقة ما معه ، ولكن فقط في إطار أو سياق تحقيق الأنا لذاتها .

وأخيرًا وعلى مدى العقدين الماضيين تبرز قضية « الآخر » في الفكر الأوروبي الثقافي بعامة ، وعلى كل المستويات الفلسفية والاجتماعية وحتى « الأنثروبولوجية » لتعالج قضية الحضارة الغربية في مواجهة المشكلات المترتبة على العهد الاستعماري القديم والإمبريالي الجديد من تعاملات مع شعوب وثقافات ما يسمى بالعالم الثالث ، ومع الأقليات الكبيرة العرقية والدينية واللغوية والثقافية التي نشأت داخل الدول الأوروبية ثم الأمريكية ؛ بسبب عوامل عديدة كالهجرة والعلاقة الاستعمارية ، وهذا الطرح الأخير هو الذي نقله إلى الساحة الفكرية العربية عناصر النخبة العلمانية في إطار سياستهم الدائبة في المحاكاة والنقل والاستيراد لما يروج في ساحات الفكر الغربي ، وكذلك في إطار استخدام هذه النخبة لأدوات فكرية غربية كأسلحة في حرب المواجهة مع الإسلام ومنهجه .

والخلاصة هي أن مسألة « الآخر » لا تقوم بل ولا يكون لها معنى إلا في ظل حالة من تضخم الشعور بالأنا أو بالذات الفردية أو الجمعية أو المعنوية إلى حد تصبح معه علاقاتها مع أي كيان خارجها ( الآخر ) سواء أكان فرديًا أو جمعيًا مشكلة

من حيث أنه قد يعرقل ، أو يحد من أهم وقائع هذه الأنا أو الذات في تحقيق نفسها بالمعنى الشامل معنويًا أو ماديًا ، مما يستتبع أن يكون هناك مشكلة « الآخر » ، وقد تفرقت أنواع الحلول والاتجاهات الغربية في مشكلة الآخر بين ما سمي « بنفي الآخر » أو سحقه والقضاء عليه (وهذا في حالات الصراع بين القوميات ، وبين الثقافة الاستعمارية النصرانية العلمانية والثقافات المستعمرة) ، وبين محاولات الحوار والاستيعاب بالتعددية على درجات داخل كيان موحد أوسع ... الخ .

إن المشكلة الحقيقية مع قضية « الآخر » تختلف عن المشكلة التي تواجهنا نحن المسلمين مع قضايا فكرية أخرى فرضتها النخبة المتغربة: كقضية العلمانية ، ففي هذه القضايا تكون المشكلة الأولية هي كون هذه القضايا غربية المنشأ أي أنها قضايا تتصل اتصالًا عضويًا لا ينفصم بالسياق الحضاري والثقافي والسياسي والاجتماعي للتجربة التاريخية الأوربية ، حيث إن انتزاعها من هذا السياق وتحويلها إلى مجرد مبادئ نظرية عامة مجردة ذات انطباقية عمومية يصبح هو

المشكلة الأولى التي يتحتم مواجهتها وكشفها قبل الدخول في مناقشات أخرى لتلك القضايا ، أما بالنسبة لقضية « الآخر » ومع التأكيد أيضًا على خصوصيتها الثقافية السياقية الأوروبية فإن الوضع يختلف لأن المشكلة الأولية التي تواجهنا معها هي في تطبيقها ، وإدخالها بشكل معكوس من قبل أصوات النخبة العلمانية .

لقد قلنا: إن قضية الآخر تنشأ أو قد نشأت في ظروف كان فيها تضخم الذات أو الأنا بمستوياتها المختلفة وأشكالها المتنوعة فردي ، أو ثقافي أو سياسي/اجتماعي يصل إلى حد هائل ، يتحتم معه معالجة وضع « الآخر » بمستوياته وأشكاله

المختلفة في إطار عملية تحقيق الأنا لذاتها ، هذا هو السياق الذي ظهرت فيه قضية الآخر في الغرب داخل الإطار الفردي العام للحضارة هناك ، وداخل فلسفاتها من الهيجلية إلى النفعية إلى الليبرالية إلى الوجودية إلى فلسفات الثقافة والمعرفة والنقد

الحضاري والأنثروبولوجيا ، ولكن عند نقل هذه القضية إلى الساحة الثقافية العربية نلاحظ أنها تحولت من قضية ذات أبعاد فلسفية/اجتماعية متعددة ، وذات منظور واسع عميق ، إلى مجرد تهمة توجه ضد خصم ثقافي على سبيل تشويه صورته ،

ولفتح الباب أمام توجيه اتهامات أخرى له تشبه السباب الدارج ، ولا تخلو من مسحات الغلو والعصبية كاتهامات التعصب والانغلاق وما أشبه ذلك .

إلا أن الوضع المعكوس الذي أشرت إليه يتجلى في أن تهمة العداء للآخر توجه إلى الذات ، أوالأنا أو الهوية أو الكيان الإسلامي في وقت هو فيه في أشد حالات الضعف والهزال والتراجع ، بل وفقدان الوعي والتماسك ، بحيث إن قضيته الحقيقية ليست في حل مشكلة الآخر ، بل في مجرد ضمان استمرارية ذاتيته وكيانه هو . نحن لسنا أمام ذاتية فردية أو جماعية تعاني من التضخم والغرور والتوسع والابتلاع والاستعلاء المجنون ، كما كانت الحال مع الذاتية الفردية أو الجمعية في عصور النهضة والكشوف الجغرافية وإحياء العلوم الفلسفية والطبيعية ، ثم عهود ما سمي بالتنوير والفتوح الاستعمارية وتكوين الامبراطوريات والدول القومية الكبرى ، وما صاحب ذلك كله من تأليه للفرد والذات وإخضاع كل شيء من دين وقيم وشعوب أخرى لهما وجمعها فيهما ، بل نحن عندما نتحدث عن الذاتية الإسلامية فردية أو جمعية في الفترة الراهنة نتحدث عن ذاتية هي في حالة من الضعف والخمول لأسباب عديدة تاريخية وفعلية ليس هنا مجال الحديث عنها بحيث بات

يخشى عليها أن تفقد وجودها نفسه وبالتحديد من جراء سطوة هذا « الآخر » الذي يجري الحديث عنه كما لو كان هو المهدد من جانب الذات الإسلامية ، نحن لسنا أمام ذات جامحة طامحة ، متوسعة ، عدوانية ، شرسة ، نهمة تمضي لاستعمار الدنيا ، بحيث يصح أن ترفع في وجهها دعوات الحفاظ على « الآخر » من عدوانها واجتياحها ، وبحيث يصح أن تحذر من الدوس على هذا الآخر بالأقدام ، والقضاء عليه ونفيه ، أو على الأقل مناصبته العداء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت