فهرس الكتاب

الصفحة 1605 من 3028

إن الذات الإسلامية التي ترفع في وجهها الآن تهمة العداء للآخر ورفضه ليست هي الذات الأوروبية الاستعمارية التاريخية ، أو الذات النظرية المصبوغة بالنزعة الإنسانية العلمانية اللتين سعتا وتسعيان إلى محو أو إدماج أو نفي أو استيعاب « الآخر » ، وهذه الذات لم يعرف عنها هذا النزع الإنساني الاستعماري العلماني أو الصليبي المهدد ، والنافي « للآخر » سواء أكان من ناحية تجربتها التاريخية أو المعاصرة ، أو من ناحية مكوناتها العقدية ، وبصرف النظر عن هذا وذاك فإن وضعها الحالي من التفكك وضعف الإحساس والوعي بالهوية يهددها هي وليس الآخر بالضياع ، وهذا الواقع يجعلنا نفهم التهمة الموجهة لها بالعداء « للآخر» على أنها في حقيقتها ليست تهمة مبنية على تفكير ونظر جدي متعمق في الأمور ، بقدر ما هي تهمة تقوم على تشويه الصورة وتقديم الغطاء لما يتردد الآن بفجاجة في الإعلام الغربي وغيره حول دعوى « الخطر الإسلامي الجديد » و « خطر الأصولية الصاعد » ، وما شابه ذلك من أنواع الدعاية الإعلامية ، فتهمة العداء « للآخر » لا تكشف عن نظرة جادة لمحتوى الثقافة الإسلامية ، أو لتجربة الذات الإسلامية التاريخية والمعاصرة ، وإنما هي مجرد شعار من شعارات تشويه الصورة والدعاية السوداء ، وإلا لما كان من أبسط الأخطاء أن توضع الذات المتأزمة موضع الذات المستعلية الغربية .

إذن قضية الآخر تبدأ بداية مقلوبة عندما تطرح عندنا ، وهي بداية تخالف تمامًا البداية المنطقية والمعقولة والطبيعية لها في سياقها الغربي ، ويكفي أننا لسنا أمة مُستَعْمِرَة أو عدوانية ، حتى تكون لهذه القضية انطباقية علينا من ناحية تهديدنا للآخر ، كما يكفي أننا نحن الذين نتعرض لعداء الآخر ومحاولته نفينا واستعبادنا واستبعادنا .

وهنا يطرح سؤال آخر من تلك الأسئلة التي لاحظناها فيما سبق نفسه: فمن هو ذلك الآخر الذي يتهدده الإسلام ويتباكى عليه المتباكون ؟ هل هو الغرب بنزعاته من صليبية إلى استعمارية جديدة وقديمة إلى صهيونية وعلمانية ؟ أم هو غير المسلمين في خارج وداخل البلدان الإسلامية ومعهم النخب الحاكمة والمثقفة (اللادينية) ؟ أم هو اليهودية العالمية والإسرائيلية ؟ وهل هذا الآخر أفراد ودول ، أم أفكار ومذاهب وفلسفات ، أم حركات سياسية واجتماعية ودولية ، أم تيارات اقتصادية ومادية كبرى ... الخ ؟ ثم من هو الذي يتحدث عن العداء للآخر متباكيًا عليه ، وقائمًا على حقوقه التي يزعم تعرضها للخطر ؟ إنه نخب وأقليات متغربة ومعلمنة داخل عالمنا العربي المسلم وكأنهم بهذا الحديث المشفق على « الآخر »

يهاجمون بني جلدتهم المعترضين متهمين إياهم بالعدوانية والتوسع الاستعماري والجهل الثقافي ، وهل تكون هذه النخب والعناصر قد وضعت نفسها بذلك في زمرة الآخر هذا ، بحيث ينطبق عليها ما تقوله بعض الحركات الإسلامية من أنها انخلعت من ربقة الدين ؟

إن البداية الحقيقية للتعامل مع قضية الآخر ، تكون بفهمها وفهم سياقها الحضاري الفكري الأصلي وتتبع هوية وهدف من يطرحونها ، لاسيما وهم يجعلون من أنفسهم تابعًا لذلك الآخر الذي يتحدثون عنه ، وليس جزءًا أو مكونًا من الأمة الإسلامية التي يوجهون الاتهام إليها ، ولا يمكن أن يكون هناك طرح لقضية الآخر مع تجاهل قضية الأنا أو « الذات » أو الهوية ، وهذا من طبيعة الأشياء المنطقية لأنه إذا جاز لنا أن نتصور وفق المنطق الهيجلي مثلًا أنه لا يمكن أن توجد ذات (غير مطلقة) بدون الآخر ، فإنه في الوقت نفسه لا يمكن وجود آخر وأيضًا من الناحية المنطقية والفعلية بدون الأنا والذات ، لذلك فعندما يصرح بعض عناصر النخبة مثلًا من أن قضية إثبات الهوية الحضارية والعقدية هو أمر بات مرفوضًا وبائدًا ، وبأنه لا يجوز الحديث عن الغزو الفكري فإن المرء يستغرب أن يصدر هذا ممن يتحدثون في الوقت نفسه عن احترام الآخر واعتباره والتعامل معه من موقع التفاعل ، وليس العداء ، إذ كيف يكون ذلك إذا كانت الأنا أو الذات (الحضارية الدينية) التي ستقوم بذلك هي عندهم مرفوضة من موقع رفض الحديث عن الهوية والذاتية الثقافية ؟ إن وجود الهوية والأنا الثابتة الواضحة هو الشرط الأول للحديث بعد ذلك عن الآخر وعن أي نوع من أنواع العلاقة معه ، وليس هذا فحسب بل لابد أن تكون هذه الأنا قوية صاعدة ولابد كذلك أن تكون فاعلة داخل ثقافة فردية تعلي من شأن الذات وتجعل من تحققها أي تحقق الذات بمعنى بسطها وامتدادها في الزمان والمكان والعمق الحضاري والفني والإشباع والقوة المادية أهم أحد أهدافها ، ولكن عندما تكون الأنا مهددة بالتفتت والضياع وعدم الوجود وعندما لا تتحقق فيها الشروط التي توفرت في الأنا الغربية ، وحتّمت طرح قضية الآخر فإن طرح هذه القضية والإعلاء من شأنها يصبح عملًا مشبوهًا ، وغير منطقي ، ويحق عندئذ توجيه تهمة مضادة من أن هذا الطرح وبالذات في شكل الاتهام هو طرح مغرض لا يأتي لوجه الحقيقة بل لمجرد إحراج الخصم الفكري ، ووضعه في موضع الدفاع بقذفه بالاتهام وراء الآخر ليس لغرض سوى إشغاله بالرد ، أو إحاطة مواقفه بالشكوك والظنون ، وفض الناس من ورائه وقبل كل شيء إجباره على اتخاذ مواقف يرحب فيها بالأفكار والمذاهب المخالفة وإلا تعرض لتهمة أنه ينفي الآخر ويعاديه .

ولا يمكن كذلك طرح قضية الآخر بإلحاح وخطورة وفي شكل الاتهام الحاد في ظل وضع تتعرض فيه الذات أو الأنا أو الهوية إلى عدوان مستمر وشرس من جانب ذلك الآخر ضد كل مظاهرها ، سواء أتخذ هذا العدوان شكل الغزو الفكري ،

أو الاجتياح الإعلامي أو الهيمنة السياسية والاقتصادية أو الهجوم العسكري المباشر ، أو حتى الإبادة والإفناء ، كما يحدث الآن على امتداد ساحة العالم الإسلامي .

إن الآخر هو الذي ينبغي أن يوجه إليه النصح والتحذير بأن ينهي عداءه ونفيه للأنا (وهي تعتبر الآخر بالنسبة له) قبل أن توجه للأنا الضعيفة والمحاصرة تهمة العداء للآخر ، والحق أن طرح تهمة العداء للآخر بهذا الشكل المعكوس يكشف غرضًا آخر من أغراض الإلحاح عليها من جانب النخبة ألا وهو الإرهاب الفكري وتمييع المواقف الإسلامية ، فتحت شعار التفاعل والتقارب مع الآخر والتعرف عليه يجري الإلحاح على كبت وإسكات العديد من المواقف والأحكام الشرعية بحجة أنها تعادي الآخر ، وتعوق التعامل معه ، وتشعره بالحرج وحتى تشوه صورة الإسلام لديه ، ومنها قضايا الجهاد والحكم الإسلامي ورفض الربا ، وأحكام المرأة والأسرة ، بل وحتى الموقف الشرعي من عقائد النصارى ، وسلوك اليهود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت