فهرس الكتاب

الصفحة 945 من 3028

أما الأحاديث النبوية التي تشير إلى مفهوم الأمة الإسلامية فيه أكثر من أن تحصى ويتحدث فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن أمته في الدنيا والأخرى. وبذلك يتحد المفهوم النبوي للأمة مع المفهوم القرآني، وإن كانت الشواهد في الأحاديث أكثر بكثير من الآيات القرآنية.

لم يستطع معظم علماء الإسلام الفكاك من أسر المفهوم القرآني للأمة، وإن استطاع بعضهم الاستعانة بمفهوم اجتماعي في شرحه كالفارابي في مدينته الفاضلة، أو بمفهوم تاريخي كالمسعودي في التنبيه والإشراف. لكن ذلك لا يقترب من أية مساهمة فعالة على مستوى المفهوم السياسي المعاصر لمصطلح الأمة كما ورد في الموسوعات السياسية الغربية الحديثة، وهنا مثلت محاولة المدرسة الحديثة لدراسة العلوم السياسية من رؤية معرفية إسلامية منذ الستينيات من القرن العشرين بجامعة القاهرة، وأبرز رموزها أ.د/حامد ربيع، أ.د/منى أبو الفضل، وأ.د/سيف الدين عبد الفتاح، وأ.د/نادية مصطفى وغيرهم من الأجيال التالية، ومدرسة الاجتهاد ببيروت مثل أ.د/رضوان السيد، وأ/الفضل شلق، وغيرهما من رموز الفكر الإسلامي المعاصر في الشام والمغرب وفلسطين، بل والمفكرون من غير العرب مثل أ.د/كليم صديقي، حاولوا الإسهام في هذا الصدد وبلورة مفهوم معاصر ومركب يجمع بين التراث والمستجدات التي طرأت على وضع الأمة الإسلامية في القرن العشرين.

القومية في الفكر الغربي

القومية كنظرية سياسية وأنثروبولوجية غربية كانت ترى عند نشأتها أن الإنسانية تنقسم طبيعيًّا إلى مجموعة من الأمم المتميزة، وأن هناك سمات محددة لتحديد ماهية الأمة، وأن كل أمة يكون لها الحق، من ثم في حكومة مستقلة تعبر عنها، وبذلك فإن الدول تستمد شرعيتها من احتواء كل منها على أمة واحدة، والعالم لا يكون منظمًا بصورة صائبة، من وجهة النظر السياسية، إلا إذا شكلت كل أمة من الأمم التي يحويها، ويتكون منها دولة واحدة. فالوحدة السياسية (Political Unity) والوحدة القومية (National Unit) لا بد وأن تكونا، وفقًا لهذه النظرية، متطابقتين، وهو ما انعكس في الفكر السياسي وفي مبادئ وقواعد القانون الدولي خاصة حق تقرير المصير.

وترتيبًا على هذه النظرية فإن كل حركة قومية هي بالضرورة حركة استقلالية/انفصالية في حالة ما إذا كان الأفراد المنتمون إلى قومية معينة يحيون كلهم أو جزء منهم داخل إطار دولة قائمة بالفعل. كما أنه على الجانب الآخر إذا كان المنتمون إلى قومية معينة ينتشرون في أكثر من دولة، فإنه يكون لزامًا على الحركة القومية أن تتخذ بعض الإجراءات التي تمكنها من إعادة رسم الخريطة الجغرافية بصورة تمكنها من احتواء كل المنتمين إليها داخل حدود دولة واحدة؛ حيث يرى الإنسان نفسه جزءًا من قومية معينة قبل أن يكون جزءًا من أي تجمع آخر فيكون ولاؤه الأسمى - لحظة تعارض الولاءات -للقومية التي ينتمي إليها فيقدم مصلحة قوميته على حساب مصالح القوميات والدول الأخرى. وقد تتحول القومية بهذا المعنى إلى نوع من الإمبريالية تبيح للدولة أن تغتصب أراضي دول أخرى لجمع شمل قومية ما دون أي اعتبار لقيم التعامل الخارجي المتعارف عليها مثل احترام القانون الدولي واحترام المعاهدات والحفاظ على العلاقات الدولية الودية وتجنب الصدامات المسلحة.

وتحاول الكتابات القومية كلها وضع معايير أو مقومات للقومية للإجابة عن سؤال: ما الذي يميز الأمة عن غيرها من أنواع الجماعات الأخرى؟

وهناك إجابتان: إحداهما موضوعية والأخرى ذاتية. أما النظرة الموضوعية للقومية فترى أنها ظاهرة طبيعية تتعلق بمجموعة من البشر لهم لغة واحدة وثقافة واحدة وعادات وتقاليد واحدة، وينحدرون من أصل واحد، ويقطنون بقعة إقليمية محددة، وتحدوهم آمال واحدة ومصالح مشتركة، ويشعرون بالحاجة إلى أن تحكمهم سلطة واحدة ذات سيادة.

أما النظرة الذاتية فترى أن القومية هي ظاهرة سيكولوجية لا تتعلق بمقومات خارجية عنها بقدر تعلقها بوعي الأفراد بتلك المقومات التي تجعلهم يشعرون بأن لهم شخصية متميزة ومنفصلة، وتدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن هذه الشخصية. ولكن تظل المعايير الموضعية هامة جدًا عند معظم المفكرين القوميين، وإن كان مدى الأهمية المعطاة لمعيار معين بالمقارنة بالمعايير الأخرى يختلف من مفكر إلى آخر.

فبعض المفكرين يرى أن البعد الأهم في تعريف الأمة هو الإقليم؛ فارتباط الأمة بإقليم محدد هو الذي يمنحها شخصيتها. والبعض يرى أن الدولة هي المعيار الأهم، فوحدة الأمة وشخصيتها مستمدة من التنظيم السياسي؛ ولذلك فإن الدولة عندهم سابقة على الأمة، وتكون هي سبب وجودها والعكس غير صحيح، ولقد ساد هذا الاتجاه بين المفكرين الفرنسيين، وهذا على خلاف القوميين الألمان الذين ركزوا على عنصر اللغة والثقافة بوصفه أهم عناصر تحديد الأمة؛ حيث آمنوا أن لكل أمة طابعها الخاص المميز، وأن هذا الطابع مستمد أساسًا من اللغة المشتركة، وطالما أن اللغة هي أداة التعبير عن المشاعر والانفعالات والرموز والأساطير فإنها تصبح أداة العادات والتقاليد والتراث، ويصبح الاشتراك في لغة واحدة هو اشتراك في ثقافة واحدة.

ويركز جانب آخر من القوميين على عنصر الهدف المشترك كأهم عنصر يعمل على ظهور الأمة، خاصة إذا كان هذا الهدف موجهًا نحو جماعة خارجية؛ لأن القومية كما يراها أصحاب هذا الرأي هي بالأساس شكل من أشكال الاحتجاج. ويدعم هذا الفريق رأيه بالإشارة إلى حقيقة كون العديد من القوميات الحديثة تكونت أثناء حركة المقاومة لاستعمار مستوطن أو حتى في مواجهة أحد أشكال الاستعمار الجديد.

والقومية ترفض مقولة الماركسية: إن الحدود الإقليمية لا يجب أن تقف حائلًا دون وحدة الطبقة العاملة في العالم، وإن عمال العالم مصلحتهم واحدة، ولا يجب أن تحدهم حدود جغرافية، ثم إن القومية ترفض أيضًا المذهب الشخصي الذي يعلي من العلاقات الشخصية ويعطيها أولوية على التزامات الفرد الأكثر عمومية تجاه الدولة أو القومية التي ينتمي إليها بحيث يصبح ولاء الفرد لأصدقائه وأسرته مثلًا أهم من ولائه لوطنه وأمته، وبحيث تكون الأولوية للعلاقات الشخصية في حالة حدوث تصارع في الولاءات الشخصية والقومية، ثم إن القومية ترفض أيضًا الوطنية العالمية (Globalism) والتي ترى أن السعي إلى تحقيق مصلحة الإنسانية جمعاء يجب أن يكون هو الالتزام الأول لكل إنسان، حيث يكون ولاؤه الأسمى للبشرية وليس لقومية جزئية.

وقد استمد الفكر الغربي مفاهيمه القومية من التجربة الأوربية؛ إذ انطلق من الأحداث المتشابكة التي مرت بها أوروبا بعد ظهور الدول المركزية القوية في وستفاليا 1648، ونجاح ملوك الحكم المطلق في القضاء تدريجيًا على المفاهيم والروابط الإقطاعية وعلى السلطة السياسية للكنيسة، وتوحيد مشاعر الولاء لجهة سياسية واحدة.

وعلى الصعيد الفكري، لعبت الفلسفات الجديدة لسيادة الشعب وحقوق الإنسان دورًا هامًّا في تغيير نظرة الشعب لشخص الملك الذي لم يعد هو الأمة أو الدولة، وإنما أصبحت الدولة هي دولة الشعب، الدولة القومية، والوطن بعبارة أخرى، ارتبطت الأمة والدولة وتوحدتا، فنشأت الدولة القومية، كما ارتبطت الحضارة بالقومية فأصبحت حضارة قومية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت