إن شحذ الهمم في هذه الأمة يتم عبر الفهم الصحيح لواجبات الدين، لتنظيم سير الحياة وحلقاتها المتداخلة، وإزالة بصمات عصور التخلف التي تضمنت تهميش الحياة العامة ومقتضيات الشهود والنهوض والتنمية والرقي عن اهتمامات التدين، وحُصر التدين في المظاهر التعبدية الفردية الخاصة، الأمر الذي أدى إلى ترك المجال وإفساحه لصناعة غد بلداننا ومستقبلها وفق مخطط الأقوياء، من الدول الاستعمارية في ضوء إستراتيجياتها معتمدة في ذلك على أسس موازين الغلبة في الصراع الحضاري ومراعاة مقتضيات الأمن القومي لبلدانهم في مجتمعاتنا، وذلك في غياب شبه كامل لإرادة الأمة ومصالحها المستقبلية.
يسعى هذا البحث إلى إلقاء الضوء على معنى الواجب الكفائي والعيني، ومقاصد الشرع من التكليف بهما، وآثار الفهم القاصر لفروض الكفاية على الأمة وكيانها ودورها، مع بيان أسباب ذلك القصور، وضرورة المراجعة والتصحيح؛ تأصيلا للمفاهيم التي تعكس آثارها على واقع الأمة، وأخيرا محاولة بيان النتائج والدلالات، وأرى أن التصدي للقيام بالواجبات الكفائية على الوجه الأكمل يسهم بدور بارز في حل مشاكل الأمة.
الواجب.. أنواعه ومقاصده
أولا: تعريف الواجب:
تعريف الواجب لغة:
تأتي كلمة (وجب) في اللغة العربية بعدة معان:
أ - بمعنى لزم: تقول: وجب الشيء ووجب البيع جِبة بالكسر، وأوجبتُ البيع فوجب، وأوجبَ الرجلُ بوزن أخرج إذا عمل عملا يوجب له الجنة أو النار إذا لزم.
ب - بمعنى استحق: تقول: استوجب الشيء إذا استحقه.
ج - بمعنى سقط: تقول وجب الميت إذا سقط ومات، ويقال للقتيل: واجب، ووجبت الشمس إذا غابت وسقطت [1] .
تعريف الواجب اصطلاحا: عُرف الواجب بتعريفات عدة منها [2] :
-ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه.
-ما طلبه الشارع على سبيل الحتم والإلزام.
-ما يذم تاركه على بعض الوجوه.
ويتضح التعريف بصورة أكبر من خلال ما أورده الإمام الغزالي في"المستصفى"عند تقسيمه لأفعال المكلفين التي تعلق خطاب الشارع بها فقال:
"تقسم الأفعال -بالإضافة إلى خطاب الشارع- إلى:"
ما يتعلق به على وجه التخيير والتسوية بين الإقدام عليه والإحجام عنه، ويسمى مباحا.
ما ترجح فعله على تركه.
ما ترجح تركه على فعله.
والذي ترجح فعله على تركه ينقسم إلى: ما أشعر بأنه لا عقاب على تركه ويسمى مندوبا، وما أشعر بأنه يعاقب على تركه ويسمى واجبا.
ثم ربما خص فريق اسم الواجب بما أشعر بالعقوبة ظنا. وما أشعر به قطعا خصوه باسم الفرض [3] ، ثم لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني.
وأما المرجح تركه فينقسم إلى ما أشعر بأنه لا عقاب على فعله، ويسمى مكروها. وقد يكون منه ما أشعر بعقاب على فعله وهو المسمى محظورا وحراما ومعصية" [4] ."
ثانيا: أنواع الواجب:
ينقسم الواجب إلى أنواع مختلفة باعتبارات مختلفة:
أولا: باعتبار تعيين المطلوب وعدم تعيينه ينقسم إلى: واجب معين، واجب مخير.
ثانيا: باعتبار تقديره ينقسم إلى قسمين: واجب محدد، واجب غير محدد.
ثالثا: باعتبار وقت أدائه ينقسم إلى قسمين: واجب مطلق، واجب مؤقت.
رابعا: باعتبار المكلف بأدائه ينقسم إلى قسمين: كفائي وعيني، وهذا ما سنفصله تاليا.
تعريف الواجب الكفائي والواجب العيني:
ينقسم الواجب - من حيث تعيين من يجب عليه - إلى واجب عيني وواجب كفائي، يقول الإمام القرافي: الأفعال قسمان: منها ما تتكرر مصلحته بتكرره، ومنها ما لا تتكرر مصلحته بتكرره. [5]
فالقسم الأول شرعه صاحب الشرع على الأعيان؛ تكثيرا للمصلحة بتكرر ذلك الفعل كالصلوات الخمس، فإن مصلحتها الخضوع لله تعالى، وتعظيمه، ومناجاته والتذلل له، والمثول بين يديه، والتفهم لخطابه، والتأدب بآدابه، وهذه المصالح تتكرر كلما كررت الصلاة.
والقسم الثاني كإنقاذ الغريق؛ فإنه إذا انتشل من البحر فالنازل بعد ذلك إلى البحر لا يحصل شيئا من المصلحة، وكذلك كسوة العريان وإطعام الجائع ونحوهما، فجعله صاحب الشرع على الكفاية نفيا للعبث في الأفعال؛ إذ لا فائدة في الأعيان بالنسبة لها. [6]
1 -الواجب الكفائي [7] : هو ما يطالب بأدائه مجموع المكلفين، وإذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يفعله أحد أثموا جميعا، كالذي يجب للموتى من غسل وتكفين وصلاة ودفن، وما يجب لخير الجماعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنقاذ الغريق والقضاء والإفتاء وأداء الشهادة وأنواع الصناعات، قال الشاطبي رحمه الله:"الولايات العامة والجهاد وتعليم العلم وإقامة الصناعات المهمة فهذه كلها فروض كفايات". [8]
هذا ما قاله العلماء السابقون فيدخل في الواجبات الكفائية في عصرنا هذا: التصدي لحفظ المصالح العامة بصورة شاملة، حيث يشمل التنمية الاقتصادية والتكنولوجية من الصناعة والزراعة، وكل ما يحتاجه المجتمع لحفظ كيانه وقيمه ومصالحه، وبلغة العصر: التحرك وفق الإستراتيجية القومية الشاملة التي تحقق الأمن القومي الإقليمي للأمة، وهذا التحرك وفق مقتضيات هذه الإستراتيجية من الواجبات الكفائية، وكل فرد في الأمة مسئول وبتقاعسه آثم، وتنظيم هذه الأفراد لهذه الوظائف وفق قدرات الأفراد وطاقاتها من وظيفة الدولة والقائمين على الأمور.
وعلى الأفراد إعانة القائمين على الأمر والقائمين على الواجبات الكفائية المتعددة، وبهذا يتحول التدين الصحيح إلى مشروع تنمية بشرية، وتحرك حضاري إنساني يحرك الجهود نحو الصالح العام بكل فئات المجتمع، وبهذا كذلك يكون القضاء على الأفهام المنغلقة والسطحية عن الدين والتدين الانعزالي الذي يكرس التخلف والتبعية والانجرار وراء الآخرين.
2 -الواجب العيني: وهو ما يطالب بأدائه كل المكلفين، وإذا فعله بعضهم لم يسقط الطلب عن الآخرين كالصلاة والصوم... إلخ.
وإذا تعين الواجب الكفائي على شخص أو فئة، فإن واجب الأمة تكون في حمل القادر أو المتعين على مباشرة الواجب الكفائي، وإعانته حتى يتمكن من القيام بالواجب الكفائي على درجة اكتفاء الأمة من الحاجة إلى تلك المصلحة أو درء المفسدة، وطرق حمل المتعين على الواجب الكفائي وإعانته كثيرة ومتعددة، من الدعاء والتشجيع والمساهمة في الإعداد، والنصح والنقد والمحاسبة وإحداث كيانات الضبط والضغط ومؤسساتهما، وهذه الوسائل تتجدد بتجدد الزمان، ما يلزم الاجتهاد الدائم والسعي المستمر لتحديث هذه المؤسسات ورفع جدواها والأخذ بتجارب الآخرين في هذا المجال.
وكل ذلك تحقيقا لمقاصد الشارع في سن الواجبات الكفائية وحمل المتعين والقادر على القيام بها، كما قال الشيخ محمد الخضري بك:"الواجبات الكفائية إذا ورد من الشارع طلب شيء منها، فإنما يوجه إلى البعض القادر على العمل، وعلى بقية الأمة أن تحمل هؤلاء على العمل إذا هم تهاونوا في القيام به، فالمستعدون مكلفون بمباشرة العمل، والباقون مكلفون بحمل القادرين على العمل بمباشرته". [9]
تقسيمات الواجبات الكفائية:
اجتهد العلماء في تقسيم الواجبات الكفائية، حيث إن أغلب الأصوليين ذهبوا إلى التقسيم الثنائي للواجبات الكفائية، وقسموها إلى واجبات دينية - ويقصدون بها الواجبات العبادية المحضة كصلاة الجنازة - وواجبات دنيوية، ويقصدون بها المصالح العامة كالصنائع المحتاج إليها. [10]
وقد خالف إمام الحرمين فيما يختص بالواجبات الكفائية الدنيوية؛ إذ رأى أن الطبع يحث عليها فأغنى عن حث الشارع بالإيجاب، ولكن المحققين من العلماء قد رجحوا اعتبارها من الواجبات الكفائية التي قد أوجب الشارع التصدي لها. [11]