فهرس الكتاب

الصفحة 948 من 3028

ولعل هذا الخلاف كان في العصور المتقدمة التي كان فيها حث الطبع يغني عن حث الشارع بالإيجاب، والجهود الفردية تكفي في التصدي لاحتياجات الأمة وضروراتها، ولكن في عصرنا هذا فإن المصالح العامة ضائعة، والأمة قد تضررت كثيرا من هذا الضياع، وأدى ضياع المصالح العامة أو تعثرها إلى تفوق الأمم الأخرى علينا في مجالات الحياة المتعددة (المصالح العامة) وهذا التفوق أدى إلى تكبل الأمة وسلب كثير من حرياتها في إدارة شؤونها والتصدي لمصالحها والسعي لحل مشكلاتها.

وإذا كان الناس يمارسون الصناعة والزراعة والتجارة في حدود الضرورات الفردية أو المجتمعية الضيقة التي تغطي احتياجات الناس السوقية وقوام المعاش الضروري، ولكن هذه الممارسة الفردية أو المجتمعية الجزئية ليست في إطار تناسق وخطة عمل جماعية شمولية، ترتفع بإنتاجية الأمة وتحافظ على ميزان المدفوعات، وتوجه الصناعة والزراعة لحفظ الأمن القومي، وتصل إلى درجة الاكتفاء الذاتي على مستوى الأمة وفي جميع المجالات، وحتى لا تؤتى الأمة من خلال ضغط الحاجة.

فهذا الأمر لا يمكن الاكتفاء به بحث الطباع عليها، بل إن التصدي لكثير من هذه الأمور أرفع من قدرات الفرد وطاقاته، بل من قدرات الدولة القطرية، وإنها من وظيفة طاقات الأمة وكياناتها وإستراتيجيتها الإقليمية، ويحتاج إلى تجميع الجهود وتنسيق الخطط وتوزيع الأدوار لأجل التصدي لها، والسير وفق مقتضياتها، وهنا يكمن السر في إمكانيات النهوض، أو السير نحو تقوقع التخلف والتبعية. وهنا يكمن كذلك السر في واقعنا الأليم وعدم قدرتنا على تمثل الدور الريادي والقائد وسط الأمم.

وقد قسم الشاطبي رحمه الله الواجب الكفائي تقسيما آخر، وهو كذلك تقسيم ثنائي، ولكن دون التعرض إلى تقسيم الواجبات إلى الدينية والدنيوية، وأرى أنه في هذا الإغفال للتقسيم السابق قد نحى منحى جيدا، لأن الشريعة جاءت وهي تربط الدنيا بالدين والآخرة، وجاءت لتنظيم الحياة العامة وفق مقاصد الدين والتصدي لضرورات المجتمع المادية والمعنوية، فهو - رحمه الله - قسم الواجب إلى:

ما يختص بباب من أبواب الشريعة كالولايات العامة والجهاد وتعليم العلم وإقامة الصناعات المهمة، فهذه كلها فروض كفايات قاصرة على بابها.

ما لا يختص بباب من أبواب الشريعة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو واجب كفائي مكمل لجميع أبواب الشريعة غير مختص بباب من أبواب الشريعة [12] .

وتقسيم الإمام الشاطبي يدل على عمق فهمه لمقاصد الشريعة، حيث يجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شاملا ومكملا لجميع أبواب الشريعة دون أن يختص بباب دون باب، وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل كل نواحي الحياة، فالنقد والتصحيح في نواحي الحياة الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وبذل الشورى هو أمر بالمعروف، والحذر من الإخفاقات في مجال الإدارة نهي عن المنكر، والسعي لتقويم الأداء في مختلف قطاعات المجتمع من طرف أهل الخبرة والاختصاص هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، حتى يصبح هذا الواجب قوة دافعة نحو الارتقاء والإتقان ومراجعة الذات، ويصبح هذا الواجب تحصينا عن تكرار الأخطاء، وتمركز الأمراض، وشيوع الإخفاقات.

مقاصد الشرع في الواجبات الكفائية والعينية:

مقصد الشارع في الواجبات العينية هو إصلاح الشخص واستقامته بالدرجة الأولى، وإن كانت الواجبات العينية في شريعة الإسلام تخدم الحياة الاجتماعية العامة، وتساعد في إحداث التضامن والتكاتف الاجتماعي.

ومقصد الشارع في الواجبات الكفائية هو حفظ مصالح الناس العامة، وما يتعلق بالأمور الضرورية المجتمعية في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، وقد أشار العلماء قديما وحديثا إلى هذه المقاصد في الواجبات الكفائية، ونذكر على سبيل المثال أقوال بعضهم رحمهم الله:

قال الشاطبي:"وذلك أن الكفائي قيام بمصالح عامة لجميع الخلق". [13]

وقال العز بن عبد السلام حول مقصود الشارع في الواجبات العينية والكفائية:"واعلم أن المقصود بفرض الكفاية تحصيل المصالح ودرء المفاسد دون ابتلاء الأعيان بتكليفه". [14]

وقال السيوطي:"فروض الكفاية أمور كلية تتعلق بها مصالح دينية أو دنيوية لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، فطلب الشارع تحصيلها لا تكليف واحد بعينه". [15]

من آثار الفهم القاصر لأبعاد الواجبات الكفائية

إن انحسار الفهم عن الأبعاد الحقيقية للواجبات الكفائية، وقصورها عن مقتضيات الحياة العامة، وحصرها بقضايا الكفن والجنازة والدفن: هو فهم قاصر يخالف فهم السلف الصالح والفقهاء الأقدمين عن الواجبات الكفائية والمقاصد الشرعية التي رمى الشارع إلى تحقيقها من خلال الواجبات الكفائية، الأمر الذي ترك آثارا سيئة وسالبة على واقع الأمة، وجعلها تقصر عن أداء دورها وسط الأمم والشعوب.

إن تصحيح فهم أبعاد الواجبات الكفائية، ثم إيجاد وإحداث آليات للسير مع مقتضياتها والقيام بها هو الذي يحفظ للأمة عافيتها أو بعبارة أخرى هو الوسيلة الوحيدة لاستعادة عافيتها ثم محافظتها، وبقدر التكاسل والتقاعد عن القيام بالواجبات الكفائية يكون فقدان الدور في الشهود الحضاري، وإن التعميم لشمول الفهم عن الواجبات الكفائية هو خطوة أولى في محاولات النهوض والقيام بالواجبات المجتمعية، لكن الفهم وحده لا يكفي إذا لم يلازمه الترجمة إلى الواقع.

وفيما يأتي محاولة لتوضيح آثار قصور الفهم لأبعاد الواجبات الكفائية في بعض مجالات الحياة من العلوم الكونية والإدارية والخطاب الدعوي ومؤسسات التعليم.

أولا: في ساحة الفقه السياسي:

إن قصور الفهم في ضروريات الحياة السياسية، وعدم القيام بالواجبات الكفائية فيها أدى إلى سيادة الاستبداد والنظام الإرثي الذي كان في كثير من الأحيان يفتقد عنصري القوة والأمانة، الصفتين اللتين يجب توفرهما في القيادة السياسية، فاختيار حاكم المسلمين لم يكن باختيار حر من قبل الأمة وممثليها، بل إما بالعهد من الوالد لولده أو بالقهر والغلبة، وهما الطريقتان اللتان ليستا طبيعيتين في الرؤية الإسلامية للنظام السياسي.

وأدى ذلك إلى أن تكون الإرادة السياسية عاجزة عن تحمل مسئولياتها والقيام بواجباتها تجاه الأمة، بل ومعظم الحديث والتنظير في فقهنا السياسي كان عن حقوق الحاكم على الرعية دون العكس، أو حصر حقوق الرعية في عبارات عامة لا تسمن ولا تغني من جوع، أو لم تتجاوز الورق الذي كتبت عليه.

كما أن الفهم في القيام بالواجب الكفائي في نصب الإمام ومبايعته أصبح بعيدا عن مقاصد الشرع في القيام بالمصالح العامة (جلب المصالح ودرء المفاسد) ، الأمر الذي يتطلب قدرة الحاكم على أداء مسئولياته وواجباته، والتأكد من هذا الأمر كذلك واجب على الأمة حتى لا تكون مقدرات الأمة في أيادي قاصرة غير قادرة على تحقيق المصالح للأمة.

ولكن الفهم الديني قد اقتصر على أن مجرد إقامة الخليفة أو الإمام أو رئيس الدولة تعفي الأمة عن ذنب التقاعس عن واجب نصب الخليفة دون أن يضاف إلى ذلك قدرته على العطاء وتمكنه من القيام بالوظائف المنوطة به على الوجه الأكمل، بالأخص في ضوء التحديات التي تواجه الأمة في عصرنا هذا، الذي لا يكفي فيه مجرد نصب الخليفة، بل لا بد من قدرته الفائقة على العطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت