حيث إن أعداءنا يغيرون القيادات وفق معايير القدرة على العطاء كل أربعة أعوام، ونحن نجلس لعطاء كثير من القيادات السياسية قد شاخت دون أن تعطي فرصة العطاء للقيادات الشابة والتنافس في العطاء، الأمر الذي يؤدي كنتيجة طبيعية إلى تخلف الأمة وضياع مصالحها مع عدم شعورنا بالذنب في العقليات المتدينة، حتى في عقليات بعض علمائنا ولا أقول الكل، من عدم القيام بالواجب في هذا المجال، أو حمل القائمين ـ كما أشار إلى ذلك الشيخ محمد الخضري بك [16] ـ بالأمر إلى القيام بوظائفهم عن طريق إحداث مؤسسات المراقبة والمساءلة والنصح والنقد والشورى وإبداء الرأي.
لقد أبعدت الإرادة السياسية خصيصة"الاحتساب"عن ساحة الحياة السياسية، ولم تعمل على تأطيرها في العمل السياسي، أو تكوين المؤسسات المطلوبة لذلك، وأصبحت عمليات"الاحتساب"محصورة في مظاهر التدين الخاصة التي هي في الغالب واجبات عينية فردية.
وعمليات الاحتساب في الحياة السياسية العامة -إن وجدت- كانت فردية وسرعان ما تعمل السلطة السياسية على تضييقها بغية القضاء عليها. أما أن تحدث وتَنشأ مؤسسات الاحتساب في الحياة السياسية العامة لتمارس عملية المراقبة والنصح، فالإرادة السياسية كانت عاجزة عن ذلك بسبب استبدادها وعدم قناعتها في حق الشعب في المراقبة والنصح، أو عدم تجرد السلطان لخدمة الشعب وتقليل الأخطاء وابتغاء الصواب في الرؤية والممارسة.
لكن في العصور المتأخرة، بعد أن فهم السلطان أنه غير مرغوب فيه لدى الشعوب، ولا يملك سندا شعبيا، وأن الشعوب تريد التخلص منه لعدم جدوى وجوده في هذا الموقع، ركن السلطان إلى الآخر خارج حدودنا الذي تفوق عسكريا في الآونة الأخيرة ليحفظ للسلطان عرشه ويمده بالوسائل الحديثة لقمع معارضيه، الأمر الذي أدى إلى أن تفقد السلطة حريتها في خدمة مصالح شعبه، بل وتسقط في سراب الإملاءات الخارجية التي حولت سياساتنا لخدمة المصالح القومية للدول الأخرى التي ليست بالضرورة متفقة مع مصالح دولنا، بل في أكثر الأحيان تتعارض مع مصالحنا.
وبذلك تضررت التنمية الاقتصادية، وتضررت مشاريع الصناعة ولم تسمح لقيامها إلا في مجالات محدودة وصغيرة جدا، لا تتوافق مع مقتضيات الأمن القومي الاقتصادي لبلداننا، وبذلك قد افتقدنا في السلطان أمرين أساسيين: القدرة والذكاء والنبوغ والإبداع، والإخلاص والتجرد والأمانة والتفاني للمصالح الوطنية، وأقصد بالسلطان المؤسسة القائمة بأمر البلاد.
هذا ما يتعلق بالسلطان الذي أراد أن يبقى بعيدا عن أعين المراقبة ثم المحاسبة، وأن يفعل في مقدرات الأمة ما يشاء دون أن يكون للأمة الحق في أن تستفسر ماذا عمل ولماذا عمل؟.
إن أزمة الفهم والوعي عن الواجبات الدينية في مجال السياسة لا بد من معالجتها؛ فإن الأفهام قد قصرت عن أبعاد الواجبات الكفائية في إحداث مؤسسات الضبط والنصح والمراقبة في مجال الحياة السياسية، الأمر الذي أدى إلى أن تكون العلوم السياسية خارجة عن اهتمام التدين.
ثانيا: في ساحة العلوم الكونية:
قلة الاهتمام بالعلوم الكونية أبعدت الأمة عن فرص التسخير المتاحة للإمكانيات المكنونة تحت الأرض، سواء لأغراض البناء والتعمير ووسائل الراحة لعيش الإنسان أم لأغراض الدفاع، الأمر الذي جعل الأمة متطفلة على أيدي الآخرين في مجال الصناعة، ورغم وفرة الأموال التي استودعت في البنوك الغربية، إلا أننا نستخدم الصناعة الغربية من المكنسة حتى السيارة والطيارة وحتى وقت قريب كان يقول بعض علماء الدين: إن العلوم التطبيقية البحتة لا تدخل في إطار الاهتمام الديني!.
هذه العقليات الدينية كان لها الأثر في تخلفنا عن القيام بالواجب الكفائي في مجالات العلوم الكونية وسد احتياجات الأمة في الاستفادة منها بما يتناسب مع التحدي الحضاري الذي نواجهه، الأمر الذي أدى إلى تأخر الأمة عن الذين اهتموا بصورة بالغة بالاكتشافات وسخروا طاقاتهم وقدراتهم لاكتشاف الخصائص والعناصر داخل المنظومة المسخرة للإنسان، للاستفادة منها لرفاهيتهم وقهر الآخرين وإذلالهم واستلاب ثرواتهم ثم ربطهم - فكريا وجسديا - بالأغلال الحديدية بحيث يستحيل معها محاولات النهوض والتقدم.
يقول الأستاذ منير شفيق معلقا على أزمة التنمية الاقتصادية في بلدان العالم الثالث:"إن جميع هذه الضغوط التي مارستها الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها، ومؤتمرات قمم حركة عدم الانحياز والقمم الإفريقية والعربية والإسلامية، وعشرات المؤتمرات والندوات العالمية والإقليمية: لم تؤد إلى النتائج المرجوة، سواء أكان ذلك بالنسبة إلى تغيير النظام الاقتصادي العالمي الحالي أم بالنسبة إلى النجاح في تحقيق تنمية سريعة في بلدان العالم الثالث."
ويجب أن يوضع موقف البلدان الرأسمالية المتقدمة على رأس الأسباب التي أدت إلى عرقلة كل تلك القرارات والتوصيات، وإقامتها الأسوار العالمية التي تحول دون تحويل العلوم والتكنولوجيا إلى بلدان العالم الثالث وتعرقل تصنيعها، فقد راحت البلدان الرأسمالية المتقدمة التي تسعى بكل السبل إلى إبقاء كل التطلعات التي تعبر عن إرادة الغالبية الساحقة من شعوب العالم حبرا على الورق" [17] ."
وقد كتب د. أحمد العماري عن المرجعية الفكرية (الأيديولوجية) عن الغزو الأوربي الاستعماري كما تشخصها (نظرية البقاء) في الفكر الأوربي، باعتبارها فكرة تؤكد بجلاء كامل الطبيعة الحضارية للغزو الأوربي المعاصر، لأن نظرية البقاء في النظرية الليبرالية (اللاتينية الجديدة) هو مضمون شامل للهيمنة يحمل مضمون التغيير الحضاري للآخر، ودمج جميع خصوصياته الحضارية في الخصوصية الحضارية اللاتينية وحدها، وبالنتيجة فمضمون البقاء يعني تحقيق العالمية اللاتينية من أجل الاحتفاظ لشعوب الجامعة اللاتينية بالتفوق، عن طريق احتكار شروط القوة المطلقة (التقنية والعلمية والمالية والاقتصادية والفكرية...) ، والتعامل مع بقية الشعوب الأخرى على أساس قانون المنفعة، الذي يقوم على مبدأ إضعاف الآخر، وربطه بسلطة الجامعة الحضارية اللاتينية عن طريق التبعية والخضوع المطلق [18] .
وقد أكد التقرير المعروف باسم تقرير لجنة برانت (لجنة مستقلة حول قضايا التنمية الدولية برئاسة ويلي برانت) على عمق الأزمة التي تجتاح العالم، خصوصا فيما بين بلدان العالم الثالث والبلدان الصناعية الرأسمالية المتقدمة، وهي أزمة تتمحور حول النظام الاقتصادي العالمي الحالي وضرورة تغييره، بما في ذلك حق تلك البلدان بالقيام بدور اقتصادي وسياسي أكبر في المجال الدولي، وحقها باسترداد حقوقها التي سلبها النظام الاقتصادي ـ السياسي الدولي الراهن.
ولم يستطع تقرير برانت إلا أن يعترف بأكثر من مناسبة بالدور المعرقل الذي تقوم به دول الشمال في وجه تصنيع دول الجنوب ومساعدتها؛ فهو ينتقد مثلا (قصر النظر) و (ضيق الأفق) من قبل الأوساط الحاكمة في بلدان الشمال، فيما يتعلق بمخاوفها المبالغ فيها من تصنيع بلدان الجنوب ولا ينسى التقرير أن يلفت انتباه مواطني بلدان الشمال إلى حتمية مواجهة مشاكل العالم، وضرورة تبني سياسة حاسمة بخصوص المساعدة، مؤكدا لهم أن مثل هذه السياسة ليست في التحليل النهائي عبئا اقتصاديا عليهم وإنما هي عبارة عن استثمار في جو اقتصادي عالمي أفضل وفي حياة دولية أكثر أمنا. [19]