فهرس الكتاب

الصفحة 950 من 3028

وبالمناسبة يجب أن يلاحظ هنا الفرق الحاسم بين الإسلام الذي يحرم بيع العلم والتقنيات بالمال أو حجبها واحتكارها، وبين حضارة الغرب التي حولت العلوم والتكنولوجيا إلى احتكار وإلى طريق للسيطرة والتحكم بالشعوب الأخرى. [20]

وعلى كل، فإن الأمة الإسلامية سواء بفعل الذات من الخمول والجهل وسوء الإدارة وضعف التعليم أم بفعل الخارج الذي يحتكر المعرفة ويستغل الآخر الضعيف وموارده، لم تتمكن من الاستفادة من طاقاتها في تكوين مجتمع المعرفة الذي يوظف المعرفة لإنتاج المعرفة ثم التقانة، وهذا أمر في غاية الأهمية من الواجبات المجتمعية، وحفظ الأمن القومي، والتوازن الحضاري، وهو من أهم الواجبات الكفائية، في عصر المعرفة والتقانة حيث هما عصب الحياة، وسر البقاء.

إن الأمة الإسلامية تخلفت كثيرا عن البلدان الناهضة في العالم الثالث، ناهيك عن تلك الرائدة في إنتاج المعرفة، وعجزت عن امتلاك مقومات مجتمع المعرفة، سواء على مستوى امتلاك رأس المال البشري راقي النوعية أم على مستوى كم الإنتاج المعرفي، كما تدل إحصائيات واستخلاصات تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

لذلك لا بد من ضرورة السعي نحو تكوين مجتمع المعرفة، والسعي نحو نقل وتوطين التقانة، الذي يتطلب فعالية السياق التنظيمي لإنتاج المعرفة، بما يضمن قيام نسق للابتكار يقوم على الإدارة الكفء لنقل التقانة من خارج المجتمع، واستيعابها في النسيج الاجتماعي وتنشيط إنتاج المعرفة المؤدي إلى توليد تقانات جديدة بما يحقق غايات الكفاءة الإنتاجية والتنمية الإنسانية في آن واحد.

ثالثا: في ساحة الفقه الإداري:

اهتمامنا - على مستوى الأمة - بالعلوم الإدارية لم يكن أحسن حالا من سابقتها، حيث أصبحنا عاجزين عن الاستفادة من القدرات العقلية في البلاد وتنظيمها في مؤسسة إنتاجية عالية، وعاجزين عن أن نجعل كل كفاءة في مكانها المناسب بعيدا عن مقتضى الولاءات العائلية والحزبية، بل أصبحت الوظائف العليا في بلادنا مرهونة لمن أثبت ولاء للغير أو تملقا للسلطان.

ودراسة العلوم الإدارية أصبحت وردا يدرس في الجامعات دون أن يساهم في حل المشكلات الإدارية للبلاد، والأمة تعاني من تناثر الكفاءات وعدم تنظيمها في منظومة يستفاد من طاقاتها، ويأخذ كل واحد مكانه بقدر طاقته وعطائه، وتصبح قدرات الأمة وطاقاتها في نسيج متماسك يدفع بالمجتمع إلى الأمام، وبذلك يتسنى للأمة القيام بالواجب الكفائي في هذا المجال.

وتشير الإحصائيات إلى أن هجرة العلماء والمهنيين العرب إلى أوربا الغربية والولايات المتحدة وصلت حتى عام 1976م إلى حوالي 24000 طبيب و17000 مهندس و75000 مشتغل بالعلوم الطبيعية، وقد تصاعد هذا العدد حتى نهاية القرن العشرين إلى حوالي مليون مهني عربي [21] ، ومن دولة مصر وحدها قد هاجر أكثر من 450000 من حملة المؤهلات العليا إلى الغرب، وهذا التقرير يؤكد على الإخفاق الذي تعيشه الحكومات العربية في قدرتها على استيعاب أبنائها والاستفادة من قدراتهم [22] .

وهجرة الكفاءات ظاهرة انتقائية، بمعنى أن العناصر الأنشط والأكثر تأهيلا هي عادة تزيد فرصة هجرتها، وهي في نهاية المطاف تزيد من عجز الكفاءات في بلداننا مما يؤدي إلى تدني إنتاجية الكفاءات الباقية في مجتمعاتنا ويضعف فرص الوصول إلى مجتمع المعرفة الذي يوظف المعرفة لأن تحكم العلاقات الاجتماعية المتعددة، وتنتج المعرفة والتكنولوجيا، الأمر الذي يكرس التخلف والذي يتنافى مع روح ديننا الحنيف في أن تكون الأمة شاهدة على الناس وقائدة لهم، والتصدي لمثل هذه الإشكاليات التي في أغلبها ترتيبات إدارية ومسألة أولويات وأسلوب إدارة وسياسة، وهي كغيرها من الواجبات الكفائية عجزنا عن القيام بها أو قصرت أفهامنا عن إدراكها كواجبات دينية نتقرب بها إلى الله عز وجل ونشعر بالإثم عند التقصير في أدائها.

رابعا: في ساحة الخطاب الدعوي:

بسبب ضمور الفهم في الواجبات الكفائية، وقصر الفهم عن درك أبعادها، فإن الخطاب الدعوي التقليدي، أو خطاب التجديد والإصلاح قد تمحور حول الواجبات العينية، ولم يعط حيزا كافيا للواجبات الكفائية، وتركز غالبا على الالتزام الشخصي وترك المنكرات، وكانت اهتمامات معظم الحركات الإسلامية جزئية، لم يصل تركيزها إلى تفعيل المقتضيات الشاملة للأمة الوسط، ولعل هذا يعود إلى:

1 -الشعور بأن هوية الأمة في خطر، من خلال حملات التغريب التي تشنها وسائل التأثير وصناعة الأذهان التي تهيمن عليها الدول الغربية، وكذلك حملات المعسكر الشيوعي قبل سقوطه في العقد التاسع من القرن الماضي، فكان الاهتمام بالتربية والالتزام بالدين وسيلة لمقاومة الغزو الفكري الذي استهدف الهوية الإسلامية وسط النشء من أبناء أمتنا.

2 -وقوع الحركات الإسلامية في ظروف وملابسات معينة فرض عليها التركيز على معالجة مشاكل محددة كمقابلة الاستبداد السياسي أو الاحتلال الأجنبي أو الانحرافات العقدية...

3 -محدودية الفهم، وجزئية الاهتمام، وضيق المعارف، جعل التركيز في خطابات الإصلاح الديني ينصب على السلوك الشخصي، مع إغفال أهمية التصدي للمصالح العامة للأمة، وهذا ربما يكون السبب الأساس في انعزال كثير من زعماء الإصلاح الديني عن ساحة الحياة العامة، وعدم قدرتها على جلب النخبة الثقافية في البلاد، وحتى عدم قدرتهم على الإقناع في الدعوة إلى الدين.

4 -الاستجابة الواعية أو غير الواعية للضغوط والمطالب الاستبدادية والسياسات الاستعمارية، التي تريد أن تكون ساحة المصالح العامة في عالمنا الإسلامي بعيدة عن الطريق المعرفي وفق مقتضيات مجتمع المعرفة، وبعيدة عن الشفافية التي تجعل العيب والاختلاس والفساد يظهر، وبالتالي يختفي، وتوجه الموارد العامة نحو الصالح العام.

5 -الخلل في مناهج التعليم الدينية التي لا ترقى إلى مستوى تخريج فئة عالمة بمقاصد الدين في الحياة، بل تخرج حفظة لبعض المتون الفقهية والأصولية، ويتصدرون الفتوى بعيدا عن معرفة الواقع وملابساته.

خامسا: في ساحة مؤسسات التعليم:

إن مؤسسات التعليم أصبحت عاجزة عن توفير الكفاءات اللازمة لتطوير وتنمية البلاد، وعند بعض العقليات المتدينة أصبح الذهاب إلى المؤسسات التعليمية المعاصرة لغير العلوم الدينية ظاهرة غير صحية يحتاج إلى المعالجة، دون أن يعلموا حاجة الأمة إلى المعارف الكونية والعلوم البحتة التي ترفع قدرة البشر في الاستفادة من مكنونات الأرض التي خلقت لصالح الإنسان وتمكنه من فرص التسخير الكبرى وتعطيه اليد العليا في العطاء والإنتاج. [23]

والتعليم العالي والبحث العلمي ذو صلة وثيقة بصناعة مستقبل المجتمع، وهو الذي يمكن أن يكون نتاجه مجتمع المعرفة، الذي يوظف المعرفة في سير المجتمع وتطوره في النواحي المختلفة، ولكن النظرة إلى التعليم بهذه الصورة لم تأخذ موقعها في مسئولياتنا المجتمعية التي يفرضها ديننا الحنيف وتقتضيها مصالح مجتمعاتنا، بل نظرنا إلى التعليم ومقاصده وغاياته من نوافذ ضيقة، لذلك لم يرتق إلى أن يصبح من الخنادق المهمة في تحقيق الشهود الحضاري، والحضور في ساحة التنافسات الدولية، حيث الإنتاج المتميز للمعرفة والتكنولوجيا، والحياة لا تكتب إلا للمتفوقين في هذه المباراة، ويبقى السر في عدم قدرتنا على فهم وإدراك الواجبات الكفائية في هذا المجال.

الأمن القومي والواجب الكفائي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت